Rechercher dans ce blog

dimanche 21 février 2016

يا بنيّ اركب معنا ... المدون نور الدين الجزائري


يا بنيّ اركب معنا ...


يراودني ذلك الشعور كثيرا، شعور التيه، الحيرة في كل ما يدور حولنا من احداث، ولما تكالبت أمم الكفر من الداخل والخارج على ملتنا، الذهول لما أصبح دم المسلم وكأنه ماء يُراق بلا أدنى سبب أو إذن يُساق، نعم وكل هذا من عند أنفسنا .
" وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم" ، سقطنا في وحل الفتن لابتعادنا عن منهج ربنا، عن طريق معلمنا، عن سبل من فهم ما أُريد منه من ذلك الجيل الفريد الذي تربى على عين الله ولسان رسوله صلى الله عليه وسلم؛ سقطنا في فتن لا يعلم خطورتها إلا من عُصم، إنّها فتن سوداء صماء كقطع الليل، فتن طوقتنا واُحيطت بِنَا في كل الاتجاهات والجوانب، فتن مزقت المسلمين إلى جماعات وأحزاب ورايات، فتن أشربها كل قلب وتقبلها بإشراف وحبٍ وإقبال وخوض فيها، فتن بيّنت معادن الرجال من صدق، ومن كذب، ومن نافق، ومن تزندق، فتن أزاحت أناس كنّا نعدهم من الاخيار وأهل مشورة في الديار، واتضح أنهم إلا أصحاب مكر لدين الله وفسح في دور الأجير المارق وفي الفنادق، فتن أصبح الحليم فيها حيران، وشابَ من هولها الولدان، فما بال من لم يعصمه الله ومن لم يرى في أثر من سلف مخرجاً لكل ما هو تلف . نعم كان الجيل الاول ممن عصمهم الله بعد صدقهم يسأل، منهم من كان يبحث عن الخير فيعمل به، ومنهم من كان يتحاشى الشر وينأ عنه، نعم كانوا يسألون الوحي، حتى قال صلى الله عليه وسلم :" ستكون فتنة، قالوا وما نصنع يا رسول الله ؟ قال : ترجعون إلى أمركم الاول "ـــ أنظر قال ترجعون إلى أمركم الاول ـــ  فما هو الامر الاول يا رسول الله : " ترجعون إذا اشتبهت عليكم الأمور إلى ماكنت عليه أنا وأصحابي من خيرٍ وهديٍ وعقيدة " .
إنّ هذا التيه والضياع الذي نحن عليه اليوم، وذلك الضعف الذي نخر جسد الامة اليوم لمن جهل العقيدة ومعرفة الله عز وجل حق المعرفة وماذا أُريد بِنَا على هذه المعمورة، والرسالة التي أوكلت إلينا من خالق وفالق الحب والنوى، فهل أدركنا خطورة ما نحن عليه من جهل وطبقناه على ما عَلِمَهُ الصحب الاول، هل رأينا ووقفنا على هزائمنا والذلّ الذي تزوجنا وردينا ذلك وقارناه على ما كان عليه الجيل الاول من نصر وتمكين وسيادة، هل وقفنا يوما بصدق مع أنفسنا ووزنا ما فهمه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من عقيدة، عقيدة الواحد منهم بكل ما نعتقده اليوم وزيادة، أين الخلل سبحان الله، أين الخلل يا عباد الله !.
يقول أبا ذَرّ رضي الله عنه :" لم يدع لي الحق صاحباً إلا وعاداني .."، والحق أحق أن يتبع وإن خاصمنا من أجله الوالدين والزوج والأبناء والعشيرة والصاحب وكل ذي سلطان علينا مالم يلتزم به ويدور حوله ويأمر به ولا مداهنة بإذن الله فيه.
إنّ أول من دعا إلى الحق أُولوا العزم من الرسل، نوحاً عليه السلام، حيث مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، يدعوا الله في قومه شامخا كالجبل الأشم، دعوته كانت توحيدا خالصا، وتعليما لقومه وحدانية الله عزّ وجل و أن لا يُعبد مع الله إلها آخراً مخافة على قومه من عذاب عظيم، ويحذرهم من جريمة شنعاء وهي الشرك بالله وأنه ظلم عظيم، وأن الإشراك بالله سبب خراب الامم وزوالها ولا مبالاة، والاستجابة لله فيها كل خير وفلاح وصلاح ومغفرة من رب كريم وفي الآخرة مغفرة وجنة من رب رحيم، فما كان من قوم نوح عليه السلام إلا الاعراض عن مغزى البعث وكان هلاكهم وشيك إلا نَفَر، عصمهم الله، وكان ذلك اليوم العظيم الهول لا عاصم فيه من أمر الله إلا من رحم، فلم يؤمن معه إلا قليل، كانوا ثلاثة عشر فردا معهم نوح، فبعدما أمره ربه بصنع الفلك ورأى إبنه يغرق وامرأته من قبل تعرض، نجاه الله ومن معه من القوم الكافرين، فكان عاقبة صبرهم نصرا إلى يوم القيامة، وتوحيدهم لبنة لكل الرسل واتباعهم من بعدهم درسا ورسالة، وأن أمانة الدين تأخذ بقوة ويُدافع عنها بشراسة، وأن الله يرى من ينصره بالغيب وكفى بالله هادياً ونصيرا .
نعم آمن معه إلا قليل، أهلك الله كل من كان على الارض في ذلك الوقت إلا نوحا ومن معه، استجاب لدعوته حيث قال :" إنك أن تذرهم يضلوا عبادك ولا يَلِدُوا إلا فاجرا كفارا "، وحرصا من الله عزّ وجل في حماية دينه والتوحيد الذي فهمه نوح و أفهمه قومه.
فإن أولي العزم من الرسل، نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين جاءوا بالتوحيد الخالص، توحيد واحد من مشكلة واحدة ومن نور واحد، ينصرون وينتصرون لمنهج واحد .
ويتكرر المشهد في بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فمكث في مكة ثلاثة عشر سنة يدعو قومه الى ذلك النور الاول الذي جاء به نوح عيه السلام، أن اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، فما كان من قومه إلا الاستهزاء والازدراء وإخراجه وقومه من مكة الى المدينة، فكان ممن هاجر معه نَفَر لا يزيدون عن 150 موحداً 9 نساء حسب السيرة، فكانوا اللبنة التي أُسس عليها الاسلام، فبعدما كانوا حفاة عراة خائفين في شعاب مكة ووديانها وجبالها، انقلبوا بوعد الله وحفظه إلى سادة الامم والدنيا وسادتها، داسوا بتوحيدهم على الشرك وأهله، وعلى الشيطان وجنده، حتى رفعت راية الاسلام عالية خفاقة، ودنست بالإقدام راية الشرك ولا قداسة، فما كان من العصبة المؤمنة التي خرجت من صدر النبوة إلا أن تعبد الله مطمئنة بعدما كانت خائفة مترقبة، فاُنجز وعد الله حق الإنجاز، وتحقق فيهم قول الله عزوجل " إن تنصروا الله ينصركم " ، فنصروه بالتوحيد الخالص، وركّعوا لأجله أمم الروم وفارس، وقضوا على المنافقين بسيف مسلول حتى يُعبد الله وحده ولا يشرك به أحد سبحانه .
 فإن الامة كما قلنا ورددنا لا ولن تموت، تضعف وتذهب ريحها لكن لن ترجع وتعود، والدارس لتاريخ الامة يرى لما قُويت ولما ضَعُفت العصابة المؤمنة ولما كادت أن تزول، وكان كل ذلك أن الامة إذا حققت التوحيد الخالص الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والذي فهمه الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، كان لهم النصر والعزة والتمكين، وإن تخلوا على فهم الاول من أسّ الدين وقوامه كانوا لقمة سائغة سهلة الابتلاع، ولنا في طوائف الأندلس لخير خبر وأجلى صدق، بالرغم من فهمهم للتوحيد على ما نحن عليه اليوم من شرك القبور والقصور، والموالاة لأعداء الملك والدين من مشركين وكفار وملحدين، فلن تقوم لنا قائمة بهذا الفهم السقيم .
فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ومن الصالحات الباقيات ان الله عزّ وجل يبعث عصابة مؤمنة على حين غفلة وتشرذم للأمة من تنفخ فيها روح الاسلام، روح التوحيد الذي أرسلت به الرسل لتمكن في الارض ويعبد الله حق العبادة، الذي به تنتصر الامة، وأن لا يهلكها مهما تداعت عليها أمم الكفر والملة، وأن لا يهلك سبحانه وتعالى من عبده حق العبادة وحقق في نفسه وما حوله حق التوحيد وزيادة، و أنه من أتى بالتوحيد الذي كان عليه سادتنا من النبيين والصحب الكرام، فحتما نكون ممن كان على ظهر سفينة نوح عليه السلام لما اهلك الارض ومن عليها ولم يبقي فاجراً كفاراً، فهلاّ ركبنا السفينة آمنين قائلين بِسْم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم.
السلام عليكم ..

=================

كتبه : نورالدين الجزائري

12جمادى الأولي 2437هـ الموافق ل 21/02/2016 




Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire