مـــن شـــركة الخطـــوط
الحمـــراء الى مدينـــة الوعـــود الكاذبـــة
وأنا شاب كنت أزور جدتي رحمها الله، أتفقد أحوالها وما تريد
مني الشراء لها، وكنت مُحبا لطريقة طهيّها " الشوربة " ، حيث كانت من ألذّ
مأكولات يَديها، إذْ كان لها سراً في إعدادها
، فقد كنت أرى جدتي بعد ان تنتهي من طهيّها تضع حبة سكر داخل تلك الشربة، وسألتها
ذات مرة عن سبب فعلها، فقالت يا بني : إن السكر يمتص قروصة الاكل ويعطي لذة ونكهة
للطبخ .. فَمَرَّت الايام والسنين حتى تبين لي ذاك السر عبر قنوات الطبخ وان للسكر
مفعول امتصاص قروصة المأكولات، فقلت سبحان الله من علم جدتي ومن قبلها هذا الامر.
أكيد هي الفطرة وحب الشيء وإتقانه، فمن الناس من يدرك أمور
الحياة بفطرته، ومنهم من يتعلم أصول الامور وفنونها، ومنهم من هو انتهازي مقلد
للأول بِمَسْكَنَة، وببغاء للثاني يردد ما يقوله وما يفعله بلا علم ودراية،
والانتهازية مربط قلمي الليلة، وفرس انطلاقي الى شركة الخطوط الحمراء، مرتع
الفساد، فساد الرأي والمشورة، فساد الحكم والسياسة، فساد الفرد والمجتمع، فساد حتى
نوايا من هم على الفطرة، فإنها داء ابتليت به الامة، وصدق رسول الله صلى الله عليه
وسلم حيث قال:" إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة"،
فالانتهازي هو ذلك الشخص الذي يتربص الفرص لينقضّ على ما يصبوا إليه في حين غرّة
من غفلة الامة، وسرعان ما يتسلق الطوابق حتى يصير على أعلى هرم الجماعة، فحينها
يكون قد سدّ من خلفه كل الأبواب، وشفّر كل المفاتيح للألعاب، فيصبح الناطق بإسم
الفطرة، والمقلد لصاحب الفكرة، حرباء يتلون حسب المزاج، وإن سُئل عن أبسط الأشياء
تراه كالمغشيّ يتخبطه الجهل ويغوص فيه بلا حياء .
نعم ابتٌليت الامة
بالانتهازيين المتسلقين على ظهر الشرفاء، الذين جعلوا من خبثهم سياسة وركيزة
للبقاء، أمسكوا العصا من وسط اللعبة، باطنهم الفساد والإفساد، وظاهرهم الصلاح
والبكاء على ما آلت إليه البلاد، يحسبون كل صيحة عليهم، تربتهم شكوك، وسقفهم الخيانة
بالصكوك، لا يرقبون في الناس إصلاحا ولا تسديدا أو إصلاح بوصلة، يتحول المجتمع
بانتهازيتهم إلى مجتمع مقلِد، لا يُنتج ولا يسدد، يعتمد على فكرة الاخرين ويقتات
من عثرات المناوئين، سياسة انسدادية لا أفق لها ولا وضوح لرؤية، ضبابية في العمل
الجماعي ناهيك عن الخمول الفردي، سحروا بفشلهم جيوب الناس، وراح الاتباع للتشجيع وإن
كان المصير الهاوية للجميع.
إن سياسة هؤلاء تجعل من المجتمعات بامتياز ذات تبعية، تبعية للفرد لا للجماعة، تبعية للتقليد لا للفكرة، تبعية للأحمق في ظل وجود المحنك القوي الاحق، تبعية للمستعمر لإدارة مصالحه وزيادة، مقابل صفقات تجارية انتهازية، تبعية لنزواته ورغباته على حسب انسانيته وفطرته.
إن سياسة هؤلاء تجعل من المجتمعات بامتياز ذات تبعية، تبعية للفرد لا للجماعة، تبعية للتقليد لا للفكرة، تبعية للأحمق في ظل وجود المحنك القوي الاحق، تبعية للمستعمر لإدارة مصالحه وزيادة، مقابل صفقات تجارية انتهازية، تبعية لنزواته ورغباته على حسب انسانيته وفطرته.
ففي بلادي، بلاد العروبة والإسلام، فإن من يحكمها من هذا
الصنف الضعيف، منهم من ركب دبابة الاستقلال وزوّر لنفسه قصصا للاحتكار، ومنهم من
أُغلق عنهم بتواجد الرجال، فراحوا يتآمرون مع امثالهم بانقلابٍ والإطاحة بالأخيار،
فنصبوا أنفسهم وصايا على الامة بعدها بكل اعتزاز وافتخار، ومنهم من جاء على ظهر
مؤامرة من المستعمر وبوصايا منه وجثم على ظهر الامة بكل خزي وعار، ومنهم من جاء
على ظهر دبابة وقال أن المخلص من كل شرٍ أنا الخيار، فتساووا كلهم في الانتهازية
على إرادة الامة بلا مشورة منها ولا قرار .. فالقوم عُرِّفوا كيف تستتاب لهم
الامور بتقريب أمثالهم وأبعاد كل الخصوم، فجعلوا لهم أتباعاً يمجدونهم بحكمةٍ
ومنها حب الأوطان، فعبدوا صنما وضربوا بكل هوادة من نهاهم عن ذلك وكل صادق بسيف
بتار، فبتميّعهم وانعدام ايديولوجية متبعة، اعتنقوا زبالة دين الغرب من ديمقراطية
واشتراكية، فكما القوم قوم تُبّع ولا سياسة مستقلة عندهم فالأوامر من وراء البحار،
وإن امتنعوا فأمثالهم في سوق نخاسة الغرب والشرق لا تعد البضاعة ولا تحصى للقيام
بخيانة الامة، فهم العبيد للأسياد و " الأحرار " في داخل البلاد .
إن للمنتهزين سياستين، شكلية سطحية غير الشفافة، وحقيقية
متبعة مدروسة، الاولى مما نراه من خراب على عدة جبهات، لا برمجة داخلية ولا تطلعات
خارجية، لا بنية تحتية ولا سياسة مدروسة، إبقاء الفوضى في معيشة المواطن حتى لا
يُلتفت للخيانة، والثانية ما تتداوله الأخبار من فضائح مالية واُخرى أخلاقية، ديدن
القوم الفساد وتوزيعه، الإفساد وتعميمه، إفشاء الرذيلة وإطفاء الفضيلة، فوضى عارمة
في البيت الى المدرسة، ومن الشارع الى المؤسسة، ومن الساحات الى المساجد، فمن
سياستهم ايضا، تقليل المصالح وتكثير المفاسد، تقريب الجُهال المجاهيل وإبعاد
الصادقين المعروفين، حاشيتهم من مُدمني الاختلاس واصحاب الرشاوى من الجامد
والنفيس، قربوا الشِرار وأبعدوا الخيار، فأنّى يُصلحون .
إن هؤلاء المحترفين في التملق وركوب السياسات بكل تفوق،
أصبحوا معروفين للعامة والخواص، هم رؤوس الأحزاب والنقابات وزبالة الجمعيات،
تسلقهم للمناصب لخدمة زمرتهم ومن مشى في المواكب، فإنهم أحاطوا بسياستهم أشواك
وخطوط حمراء، ومن تعدّاها فمصيره القتل والدماء، فهم أرباب مافيا وإدارتهم البلاد
من بنود الكوزانوسترا، فإنهم حصّنوا أنفسم من المساءلة القضائية فالكل متورط في
القضية، بعد أن أفسدوا وعاثوا في الحياة السياسية بكل وحشية، ومن كلامهم وعود
كاذبة وبيع للهواء بكل فخر وثقة نفسية، فأرادوا بالأمة ركوب شركة خطوط حمراء لا
مساس فيها بالقيادة، والطياران بهم إلى مدينة وهمية أسوارها وعود كاذبة، فهيهات
هيهات أن تتبعهم الامة، فإن موعدهم صبحا، أليس الصبح بقريب .... !
الســـــــــلام عليكــــــــــم .
كتبه : نورالدين الجزائري
9 جمادى
الاولى 1437هـ الموافق ل18/02/2016
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire