بســــــــــــــــــم الله الرحمـــــــــــــــن
الرحيــــــــــــــــــــــــم ..
ثـــــورات أم ثــــــــــــروات ..
الحمد لله نور السموات والأرض، والصلاة والسلام على من كان
همّه الامة وبعد:
حينما أسمع لبعض المثقفين وكُتَّاب وإعلاميين وأقرأ مقالاتهم
وحواراتهم على مسرح الفضائيات، تبادر إليّ أسئلة وحوار ذاتي وأتسال على أي موائد
العلم تلقوا العلوم هؤلاء، تراهم يتصارعون حول الليل والنهار، وهل الليل سابق
النهار أم العكس، وهل للبشر أرجل وأيادي، وهل يمشون أو يزحفون، والكل يدلي بدلوه
ويريد إقناع الاخر بحججه، تدرك أن نور الله يؤتيه من يشاء، وأن البصر والبصيرة خاصَّةُ
المؤمن دون الناس على البسيطة ..
ماذا أقول وماذا أترك عن ما قيل حول ما يجري في داخل الامة
وللأمة من سنوات قليلة وما عصفت بها من رياح عاتية، قلبت كينونتها رأسا على عقب،
جعلت الامة أمام مرآة واقعها، كشفت الغفلة التي كانت عليها ككشف العفيفة لعورتها،
فمنهم من لام سباتها ومنهم من لام ما يدور بها، ومنهم من جرّم ماضيها ومنهم تهكّم
على موروثها، فهنا نعم هنا يبادرني استفهام لهولاء وأريد أن أقول للبعض منهم :
المتهكم عن الماضي والمبشِّر بالآتي بصبغة متخفي عليك ، أن تبحث عن الامر المختبئ
ما بين" كيف كنت ؟" و " كيف
أصبحت؟ " لتبصر نوعية المسخ الذي أنت عليه اليوم..
عجلة التاريخ في دوران وسكون، وهي سنة كونية من باب
التدافع، صولات للحق تطول بأهلها ماداروا متمسكين بالطريقة الربانية، فإن زَاغُوا
عنه أزاغهم إلى الباطل فركبوا قطار الظلم ولا يعلم ربك استقراره حتى يكاد الظالم
ييأس من استغفاره، ثم تستقر عجلة التاريخ لإحداهما حتى يرى ربك ماذا يُفعل بأوامره،
عبادة الله حق العبادة أم روغان الثعالب في المِحْراب، الطاعة أم العصيان، المعيشة
الطيبة أم الهيجان، الاستقرار أم الطغيان، فلله الامر من قبل ومن بعد وما ربك
بِظَلاَّم العبيد ..
رُبَ اغتيال أشعل حربا عالمية أولى كما يقال، ورُبَ صفعة
غيرت مجرى التاريخ، فلظُلم دركات وللعدل درجات، فإن ظلمت فلا تأمن عدلا، وإن عدلت
نم قرير العين والبدنَ ..
فعجلة التاريخ في التغيير اسمها " الثورة أو الثورات
"، يركبها أولا العفويون من الناس وسرعان ما تُحْتَوى من اصحاب المصالح، فإن
خدمت مصالحهم زُج بالرُّكَب كوقود حتى اذا استوت سُرقت وهـُمِّش من كان السبب، وإن
خالفت مصالحهم أُبدِلت الخطط ووجهت حسب المنافع حتى اذا استوت حُوسب من ركب العجلة
وألصقت به التُهم والمناكير، ومنها الملفقة حسب من يدير الدولة العميقة وهكذا، فمــا هــي الثــورة بالمفهــوم الثـــوري يـــا
تـــرى ..؟!
يقول الفيلسوف المعروف أرسطو أن للثورات شكلين في سياقات
سياسية وهما :" التغيير الكامل من دستور لآخر، والتعديل على دستور جديد ..."،
بمعنى أن الثورات عبر التاريخ المعاصر هي الخروج عن الوضع الراهن من سياقه وتغييره
إلى الأفضل بسواعد كل الشرائح الاجتماعية والسياسية والثقافية والتربوية، والأخذ
بثماره إلى أرضية متفق عليها لتصحيح بوصلة البلد إلى رضى الجميع ..
فترى الغرب ما هم عليه اليوم لولا البداية بالثورة الفرنسية
وما صححته من مفاهيم، مرورا بعدها بالحرب العالمية الاولى وإنهاءً بالحرب العالمية
الثانية، والتي خلفت عجلة التغيير عندهم عشرات الملايين من الضحايا، وخراب الآلاف
من المدن والبلدات، واستمروا على ذلك حتى استتاب لهم الامر واستقرت لهم سفينة الغوص
من نصف قرن فقط الى يوم الناس هذا ..
فلا داعي إسْراد التاريخ وكيف استُعمرت بلدان المسلمين وكيف
قُسمت الكعكة ما بين المتحالفين وكيف أُريد بِنَا مفعولين بهم حتى لا ننهض ولا
تكون لنا قائمة وقيامة ..
فالثورات تأتي كالزلازل على حين غرّة، إرتداداتها عفوية
لدرجة مُباغَتَة جل الجماعات السياسة ولا تركب أمواجها إلا متاخرة، فالمسكين البسيط
المظلوم المهضوم الحقوق هو لبنة التحرك ومن بعدها هلّما جر ومن الصادقين
والمنتفعين والمتربصين حتى تنتظم سفينة الثورة وعلى أي ميناء أو يابسة ترسو ..
ومن رحم هذه الهزات خرج علينا من شكك في ثورة الجياع والفئة
المحرومة من خيرات الامة خاصة من المثقفة وأصحاب المنافع والمصالح والمصانع، تارة
يصف الثائرين بالأيادي الخارجية وتارة بالمخربة، عاجزين ومذهولين أمام دوران
العجلة وسنة التدافع، مصدومين أمام الأوضاع وما آلت إليه وأمام التحولات من أخمص
مكتب إلى أرفع منصب من الدولة . فراح أصحاب المنافع والثروات إلى إقناع الناس أنها ثورات من صنع أمريكا لتقسيم
المقسم وتجزئة المجزأ وتمزيق الممزق إلى قطع إربا إربا، فتناسوا أن خيرات الامة في
بنوك أمريكا وأن من يحكم الامة يأتمر بأوامر امريكا وأن أمريكا هي الآمر والناهي
في بلاد الاسلام من طنجة إلى جاكرتا .. فعلى من تضحكون ؟؟ .. وأنتم خُدّام أمريكا في اغتصابكم للحكم في
بلاد الاسلام وانفردتم بسلطان الامة تضربون ثوابتها ومعتقدها عرض حائط كفر
الديمقراطية ومسخ الغرب من قوانين وضعية ، فعلى من تضحكون ؟؟ .. وأنتم من تستثمرون
أموال الامة في باريس ولندن وبلاد أمريكا .. فعلى من تضحكون يا سادة ؟! ..
أنتم لا تقرأون و إن قرأتم لا تفهمون وإن فهمتم لا تعملون،
لان في قلوبكم مرض عضال، مرض حب الدنيا وزينتها، حب الرياسة والسيادة، حب الجاه
والسلطان، فلا عجب في من ينافسكم إن لم تعدلوا وتقسموا بالسوية، وحينها يٌنزع
الملك منكم بعز عزيز أو ذُل ذليل و التاريخ لا يرحم إن أسأتم اليه ..
فمن رحم هذا التدافع، يُزال الملك وتستبدل الوجوه، ويحاسب
الأفراد، ويعطى كل ذي حق حقه، وتوجه البوصلة من جديد، فإن كان الحكم السائد قبل
الثورات غير الاسلام المنزل فسيُبدل إلى ما يرضي الله وعباده وإن أزهقت الأرواح
والأنفس والممتلكات، فالأمة تمرض ولا تموت، وتخدر ولا تُغَيَّب، تُهمش ولا تنسى، فإذا
نفخ في صور العجلة فما سُلب منها في قرون فبرَبي هي قادرة على استرجاع ما ضاع من
حكمها في شهور ، إنها أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فعلى من تضحكون؟؟ ..
فلقد قيل وقيل فما جرى من أعاصير في هذه السنوات القليلة
للأمة، بدأ الامر بصفعةٍ فإذ بها تنهض من كبوتها، حتى وصلنا إلى تمايز الصفوف في
أعوام قليلة، فبُهت كل من حاكم إلى جندي مرورا بعالمٍ ومتكلمٍ وصاحب قلمٍ ورأيٍ
بما يدور حولهم، فعملية الفرز على قدمٍ وساق حتى لم يبق إلا من يريد ويدافع عن
صحيح مُراد الامة لتكون السيدة والسائدة في عالم الوحوش الذي نعيش فيه اليوم ..
فإن الامر جلل والمخاطر محيطة بِنَا ومن كل ناحية، فإما
الرجوع الى بيت الطاعة، طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم والفوز بدار
الدنيا وما أعدّه الله بعدها لمن خلُص عمله، أو السكوت عن الظلم والساكت عنه
كالمشارك لأنه إذا حلّ عذاب ربي فلا محاباة ولا معقب لأمره، وكل يبعث بعدها على
حسب نواياه، فسوق الجنة فتحت والسعيد كل السعيد من عرف كيف يبيع ..
فكل من تاجر بقضايا الامة وأراد طمس الحقائق العينية من ظلم
واستبداد وسرقات، وترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وإصلاح الرعية فهو ملعون
بنص الكتاب والسنة، وكل من زٌين له سوء عمله بقوله أن ما يجري فتنة فهو في الفتنة
ساقط غارق في جهل مركب وهو كحمار أبيه في فهم ما يدور به، وأنه صاحب مقْربَة
ومنفعة من أسياده، وأن الغطاء كُشف والطريق بَان وأشرق، وأن سنة التدافع لا يعرف
ادارتها إلا من اقتبس من نور الله، وهل يستوي الذي يعلم والذي جهل ..!
فالأمة اليوم قامت بمحاسبة الحكام الذين جثموا على صدرها
بالكفر والتشريع الوضعي، وردّت الكُلَّ للحق ولا مجاملة على حساب الحق، وهذا ما كان
له أثر كبير في حياة الامة وكينونتها وعمارتها للأرض خلال قرون ..
فلا سبيل أمام الامة إلا الإطاحة بأزلام وعملاء الغرب الذين
يحكمون بلاد الاسلام بقوانين الصليب، والرجوع الى دار التوحيد، والعمل على بسط سلطان
الشريعة، حتى يسعد المسلم في ظل حكم من هو أرحم من الوالدة على أولادها ..
فإن أصحاب الثروات لا يحبون أهل الثورات، فنقيض الثروة ثورة
عليها إن لم تُحترم كيفية جمعها، ومن كان بنيانُه باطل فأنّى له أن يكون صحيحاً،
فزلزال ربك بالمرصاد وحينها لا مفر من قدره وعقابه ..
كتبه : نورالدين
الجزائري
٢٥ ربيع الثاني ١٤٣٧ هـ الموافق ل 05/02/2016
٢٥ ربيع الثاني ١٤٣٧ هـ الموافق ل 05/02/2016
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire