Rechercher dans ce blog

vendredi 20 juillet 2018

مقال بعنوان " الغرب و الهزيمة المتوقعة " . بقلم المدون نورالدين الجزائري



الغرب والهزيمة المرتقبة ..

صحيح أن دول الغرب اليوم في حلف عالمي وكأنها دولة واحدة، تحكمها سياسة واحدة، ورؤية اقتصادية واجتماعية وثقافية واحدة، وأن التناغم بينها قائم بقيام المصلحة المشتركة، وما يجمعها إلا بئر ماء واحد تُخرَج منه السُقيَ للجميع لما يسمونه عندهم الإنسان والحيوان وأي كائن كان بمنظورهم الأحادي الجانب في التعريف ..
فالإتحاد الغربي من أمريكا وأوروبا والصين واليابان وروسيا ودول أخرى ناشئة كالهند وكوريا الجنوبية وحتى تركيا وأيضا بعض المحميّات في المنطقة العربية تكتّلهم أو تخالفهم اليوم يُعتبر قوّة، والإتحاد بينهم جميل وقدوة، فعلى إثره منافع جمّة، وفي تجمّعهم سياسة وحنكة، وما يجمع الكلّ إلّا منافع دنيوية ومصالح مشتركة، بالرغم من أنّ القوم يدينون باعتقادات مختلفة، فهم مجتمعون على ربّ واحد يُدعى الرأسمالية، وعلى ابن أوْحد يُدعى الدولار، وعلى روح القدس فريد من نوعه لم يشهده له التاريخ البشري نظيرا يُسمّى القوّة، ومع كل هذه التفاوتات التي بينهم في مفهوم هذا الثالوث الجديد إلّا أنهم في اقتتال داخلي غير المعلن وغير الصريح للعوام، فمع مجيء زعيم جديد منهم بحسب موقع الدولة ومرتبتها في هذا الإتحاد والحلف العالمي، فإنّ المواقف السياسية والاستراتيجيات تتغيّر بين بلدان الحلف ولا ثبات فيها، والتحالفات بحسب مطالب البلد المؤثّر، فمع انتخاب ترامب مثلا، حبس العالم أنفاسه أمام وُعودِه الإنتخابية، وتحزّب البعض لمواجهة إعلاناته الإصلاحية من سياسة وإقتصاد على الصعيد الدولي برمّته، فكان من أوائل أعماله وأجنداته محاربة الدولة الإسلامية في العراق والشام وهزيمتها وفي كل بقعة عليها ولايتها، وصعّد في حربه التجارية مع الصين وأوروبا في المجالات الحيوية، ومع ترسيم بوتين لولاية رئاسية أخرى قُلِبت وأُعيدت الحسابات بين الجيران الأوروبيين في مسائل عدة منها قضية أو أزمة القرم، والعلاقات مع الناتو في المحميات الروسية القديمة، والصراع في سوريا، ومسك العصا من الوسط في الحرب الدائرة بين الفرقاء في المنطقة العربية، وإمساك بورقة الضغط على جل الطوائف المتقاتلة ـ أستاناـ  لإزاحة بشار الأسد أو تسوية سياسية شاملة، فهاهي بريطانيا أيضا تزيح نفسها من الإتحاد الأوروبي وتعلن عن البريكزيت نهائيا وانكماشها داخليا على سياستها وتحالفاتها وإدارة ظهرها حتى لبعض مستعمراتها القديمة، فبعد ستر المستور من تجاذبات سياسية داخل هذا التحالف العالمي فإنّنا اليوم نرى ونلمس إفرازات هذا الإقتتال على الرؤى والمصالح المشتركة، ونشاهد أطماع البعض تقوى ممّا سيؤدي حتما إلى صِدام سياسي كبير بين عبيد الرأسمالية، وإعادة تشكيل وهيكلة الجشع الذي ينمو بينهم ويكبر يوما بعد يوم، وما كان هذا كله ليحصل ويحدث لولا الصراعات في مكمن الكنز الذي يجمعهم، ومنابع الماء التي توحّدهم وخاصة نهوض بعض أصحاب هذه الخيرات الكثيرة والتي من خلالها ينعم الغربي بخراجها، ولا ضير أو مبالاة إن أُزهقت أرواح من أصحاب السُقيا باسم الرأسمالية والدولار والقوّة ..
ففي هذه الأوقات يتواجد الرئيس الأمريكي ترامب ونظيره الروسي في قمّة ثنائية في العاصمة الفنلندية هلسنكي للتباحث في قضايا الوقت ومحاولة حلحلت بعض المشاكل بين البلدين، وعلى رأس جدول أعمالهم القضايا المعروفة كالحد من الانتشار النووي ومفرزات القمّة مع كوريا الشمالية وملف الناتو وأمور معلومة، ولكن ما يخفيه الإعلام وبعض الدوائر السياسية من معاهد بحوث رسمية عن المواطن العادي هو حجم الخلافات التي تجمع نادي الدول الرأسمالية وما طرأ بينها جمعاء من اختلاف الرؤى حول المصالح المشتركة وكيفية إبقاء حبل المنفعة يجمع الجميع تحت محميّة واحدة تديرها امريكا عن طريق روح القدس المتمثّل في القوّة التحالفية بينهم، ففي قمّة بروكسل من أيام صرّح وزير خارجية ألمانيا هايكو ماس أن بلاده لم تعد باستطاعتها الاعتماد كلّيا على أمريكا، ويعد هذا التصريح إعلان طلاق من اوروبا اتّجاه الولايات المتحدة بعد أن قرر الإتحاد الأوروبي عدم زيادة ميزانية حلف الناتو وعدم الالتفات إلى ابتزاز ترامب وانسحابه من الحلف، فألمانيا وفرنسا قرّرتا تفعيل القوة الأوروبية المشتركة وهذا الذي لوحظ مؤخرا بأعداد من الجنود الفرنسيين والبريطانيين في سوريا وبمقدار 50.000 جندي تتصدر فرنسا العدد، وهذه القوّة لا تأتمر بأوامر أمريكية ولا حلف أطلسية لكن منبعها المحافظة على المصالح المشتركة بين البلدين والمتمثّلة في تدفق النفط والغاز من المنطقة إلى اوروبا عبر موانئ تركيا إسرائيل ولبنان، وما قمّة ترامب وبوتين اليوم إلّا للضغط على دول الناتو للالتزامات المالية المرادة من طرف أمريكا، فترامب مستعّد اليوم قبل البارحة بالإعتراف بحق روسيا على القرم وإعانة روسيا اقتصاديا لتخطي وإزالة العقوبات الإقتصادية الأوروبية عليها، وهذا كلّه مخالف لسياسة اوروبا اتّجاه ما تقرّر مع أوباما والإدارة الأمريكية السابقة حول روسيا، فالرئيسان مجمعان على عودة روسيا لنادي G7 وأهمية بوتين للتحالف مع أمريكا خاصة في إيجاد حل للمشكلة الإسرائيلية الإيرانية وكل ذلك إزال العقبة في إبقاء الأسد على رأس سوريا وهذا مطلب روسي إسرائيلي وتصريح صريح من نتنياهو مؤخرا، فالحلف الأمريكي الروسي الإسرائيلي اليوم في قوّة وعلى غير شأن حلف الناتو الذي بدأ يتفكك ببداية تفكك الإتحاد الأوروبي من البريكزيت، وعبء دول الجنوب على الشمال ماليا واقتصاديا ممّا ينذر بكارثة مرتقبة ستدفع بعض البلدان في الإتحاد الأوروبي بالخروج منه متّبعة سياسة بريطانيا كنموذج يحتذى به ..
فإنّ المشهد السوري اليوم أظهر نجوما وآفل آخرين، فبعد أن قُضي على المناوئين للأسد وإبعاد شبح الدولة الإسلامية مؤقتا، فالقوم اليوم في نشوة من نصر افتراضي، وما قمّة ترامب وبوتين إلّا كاجتماع لمحاولة اقتسام الغنائم، فأمريكا استطاعت أن تموّل حربها على "الإرهاب" من خلال حصد مئات المليارات من المحميّات الخليجية، والتلاعب بأسعار النفط من اجل الاستمرارية في تمويل روسيا على إنهاء المهام في سوريا، وقد نجحا البلدان نسبيا في إبعاد الخطر عن اسرائيل وفتح أفاق اقتصادية أخرى أقل عبئا وتكلفة ممّا كان عليه الأمر قبل أحداث سوريا، فالكل ساهم في فتح ممر بري من طهران لبيروت مرورا ببغداد ودمشق، فأكثر من 30 ℅ من الغاز العالمي سيمرّ من خلال هذا الطريق ليتم تسويقه عالميا ودون مقابل للأقوياء ناهيك عن النفط وثروات أخرى، فأوروبا متذمّرة وتشعر بالخيانة العظمى من خلال التفاهمات الأمريكية الروسية، ووجود الفرنسيين والألمان بهذه الأعداد العسكرية الهائلة في سوريا من هذه التخوّفات والمغامرات الأمريكية على حساب الناتو، وإدارة ترامب بحاجة اليوم أكثر من ذي قبل لبوتين في كبح جماح إيران على الأرض وتقليل نفوذها في سوريا حتى استقرار الأوضاع نهائيا وإعادة هيكلة نظام بشار بمفهوم اتفاقية أستانا وإدخال القطيع مرة أخرى في حضيرة الثالوث كعبيد لمشاريعهم المستقبلية، وهذا ما صرّح به اليوم بوتين حيث قال: " يجب إعادة الوضع بالجولان وفق اتفاق وقف النار بين سوريا وإسرائيل لعام 1974م " ، وهذه دلالة ورسالة ايرانية لأمريكا من طرف روسيا على حل القضية السورية عن طريق الملف النووي الإيراني وانّ الأمور غير قابلة للتجزئة وأن على روسيا وأمريكا أخذ بعين الإعتبار طلبات إيران مقابل سلام مع اسرائيل وعودة الاتفاقيات القديمة في المنطقة ..
فالقوم تحسبهم جميعا وقلوبهم شتّى، فعودة الدولة الإسلامية باستراتيجية قتالية جديدة أدّت برؤوس القوة المتحالفة إلى إيجاد حل سريع للصراع السوري، فالأوضاع الإقتصادية في روسيا من خلال الفيتو الأوروبي عليها لم تعد تسمح بالإستمرار في تمويل ماكنة الحرب في سورية، فمن أيام فقط أعلنت الإمارات أنها ستوقف تمويلها للحرب وللآلة الروسية في المنطقة وهذا بعد ظهور أزمة اقتصادية حادة في هولدينغ أبراج البلد وأنها في إفلاس شبه تام، وما أزمة الأردن ببعيد عن ما بجري في المنطقة، ومع زيادة انتاج النفط السعودي بتوقّف النفط الإيراني وصعوبة صعود سعر البرميل في الاسواق العالمية، والأزمات الإقتصادية الأخرى في كل من مصر وتعويم الجنيه، وتراجع الليرة التركية، فقد تؤدي الأوضاع إلى ركود اقتصادي عالمي فضيع بحدود سنة 2020م ممّا سينذر بفوضى عارمة في كل من منطقة الخليج ودول المغرب العربي وبلدان الشام إلى آسيا مرورا بالبلدان الناشئة كالهند وباكستان، فالتحذير الصيني لأمريكا من هذا الباب وأنّ ما تمّ من تفاهمات مع الأقوياء فلابد أن يمرّ عبر بكين ولا وساطة، فالأشهر المقبلة حبلى بالمفاجئات من انهيار دول وتفكك آخرى، فتلويح ترامب من أشهر بالخروج من سوريا عسكريا لمن هذا الباب، وأن القوم في مأزق اقتصادي كبير بعد أن أصبحت شعوب المنطقة العربية أكثر وعيا واستيعابا للمؤامرة الكبرى عليها وعلى خيراتها ومستقبل أبنائها ..
فأمريكا وروسيا اليوم في تعثّر سياسي واقتصادي غير مسبوق، والحرب على الإرهاب غير مكتملة الأطوار، وبلدان تبعية الثالوث منهمكة داخليا، والمطالب بالإصلاحات السياسية والإقتصادية والإجتماعية أكبر من التحديات، ولا سياسة فعّالة عادلة ومدروسة مستقبلا للشعوب، فالأمور لا محالة ستخرج عن نطاق السيطرة ودوام الحال من المحال في ظل هذه السياسات الفاشلة، فالثالوث الجامع بين الفرقاء أصبحت عقيدته مشكوك فيها، وإذا بدأ الالحاد في معتقد فلا شكّ أن المعتنقين سيميلون لمعتقد آخر أكثر عدلا ورحمة بالإنسان قبل الإعمار والبنيان، فالشعوب العربية اليوم أكثر من الأمس بحاجة لعدالة اجتماعية رأس مالها توزيع الثروة عدلا وقسطا، وأن من يحرس بئر الماء في عقيدة الناس اليوم أشر من الذئب الذي في حراسة الماشية، وأن وعي الأمة اليوم اكتمل ونذُج نِصابه ولم يبق إلا أن يتمثّل فعلا بعد أن جُسِّد قولا خلال عقد من الزمن، وسيكون الالتفاف عمّ قريب حول من كان له السبق في زلزلة الثالوث وكشف زيفه عبر ضرب منبع العقيدة وروحها ..
السلام عليكم

======================
كتبه: نورالدين الجزائري
بتاريخ 3 ذو القعدة 1439 هـ  الموافق ل 16/07/2018





samedi 14 juillet 2018

مقال بعنوان " الحركى والأقدام السود مقابل الكوكايين " .. بقلم المدون نورالدين الجزائري



الحركى والأقدام السود مقابل الكوكايين ..


فرنسا في كل مرة تلوّح بملف الحركة و " ممتلكات" الأقدام السود عند كل مرحلة انتخابية وخاصة " انتقالية" في الجزائر، والسبب بسيط ومخيف في نفس الوقت للطرف الأضعف في المعادلة، فورقة الحركى وإعادتهم أو إعادة تأهيل أبنائهم في الجزائر والإعتراف بحقوقهم ما بعد حقبة استعمارية تعني فتح أرشيف الحركى من طرف فرنسا والذي من البنود المغيّبة في اتفاقية إفيان الموقّعة إبان فجر "الإستقلال" ما بين عصابة مخيّرة ومختارة من طرف فرنسا لتسليمها الجزائر وحكمها بعد خروجها من خلالها، وهذا الذي يخيف حرّاس الدولة العميقة في الجزائر في هذا الملف الطابوهي والذي إن فُتِح سيكشف حقيقة من يحكم الجزائر اليوم، ومن المجاهد وعميل حقيقة وهذا من جهة.
وأما ورقة الأقدام السود وممتلكاتهم فهو ملف خطير وابتزازي كبير، ومقايضة سياسية بامتياز، فمعظم الشعب الجزائري يعلم أنّ من حكم ويحكم الجزائر اليوم هو عبد مطيع لفرنسا، وأنه بحكم منصبه ومكانته في الدولة وكعضو في المافيا الحاكمة أن كل أمواله من سيولة وممتلكات في أوروبا وخاصة في فرنسا ناهيك عن مستحقات جبارة لنسله من إقامات وجنسيات فرنسية وما شابه، فإذا فُتِح ملف التعويضات فحتما ستكون بالمليارات من الأورو، وللعلم أن الأقدام السود من الكولون المستدمر للجزائر والذين نهبوا خيرات والمقدّرات الجزائر وشعبها ولا يزالون بحكم اتفاقية إفيان اللعينة يطالبون بأموال طائلة وكبيرة مرفوقة بفوائد من فجر "الاستقلال" إلى اليوم كتعويض لما خسروه من خروجهم من الجزائر، فهذه الورقة خصيصا بمثابة طاعة عمياء وإلا ستكون مصادرة كل أموال المسؤولين الجزائريين من طرف القضاء الفرنسي علما أن في فرنسا "يطبّق" فصل السلطات الثلاثة، وإذا فُتِحت الملفات في القضاء فستكون بمثابة شدّ الأيادي على التعويض، والملفات مودوعة في المحاكم الفرنسية والأوروبية وهي مجمّدة من طرف الحكومات المتعاقبة في فرنسا، وهذا ما لوّح به الرئيس الفرنسي ماكرون بأنه بإمكانه إعطاء الضوء الأخضر للمطالبة أخيرا بتعويضات الاقدام السود وهم اليهود، والمضحك والمبكي أن الجلاد يستفز ويبتز الضحية في غياب الرجل الحقيقي للدفاع عن الجزائر وإعادة النظر في استقلالها مجددا.
أرجع وأقول أنّ هذين الملفّين بالخصوص هما الحاكم الحقيقي في جزائر اليوم، وبهما يُستفزّ من بيده الحكم والتسيير، وما ظهور هذه الملفات اليوم على طاولة مالك الإيليزي إلّا للتذكير أن الخروج عن بيت الطاعة خط أحمر، وأن أي غربلة سياسية في الجزائر لابدّ أن تمر بقصر الإيليزي وإلاّ فوضى الملفّات السرية ومصادرة الأموال المودعة في البنوك الفرنسية والأوروبية وفي العالم، وأن الجزائر لا يمكن أن تضيع من يد فرنسا إلى قِوى أخرى وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وما قضية الكوكايين مؤخرا لَمِن تصفية الحسابات وإرادة إخراج وإبعاد حرّاس الدولة العميقة واستبدالهم بحرّاس آخرين ولاءهم يكون للأقوى، والملفّان رسالة نوعية خطيرة ومحدّدة لحكّام الجزائر الفعليّين مفادها : إما نحن أو ثورة في الجزائر ويكون خراجها في باريس وليس واشنطن بحكم دساتير الأمم المتحدة في النزاعات الداخلية للمستعمرات، والملفّان قنبلة موقوتة ستعصف بالأخضر واليابس إن فُتِحا ..
السلام عليكم ...
=====================
كتبه : نورالدين الجزائري
بتاريخ 30 شوال 1439 الموافق ل 14/07/2018



vendredi 13 juillet 2018

مقال بعنوان " عقلية طواليت " ... بقلم المدون نورالدين الجزائري



عقلية طواليت ..

كيف تريد أن تقنع من نشأ في بادية واليوم هو على رأس السلطة حاكما متحكّما في أمور النّاس أن ثقافة وهندسة الطواليت او بيت الخلاء - أعزّكم الله - انتقلت من مرحاض تركي إلى مرحاض انجليزي، بمعنى من العسر إلى اليسر، ففي الأمر راحة وطهر وإبعاد نجاسة وأمور أخرى، وأن ما كان عليه في البادية لم يعد يصلح للتمدّن والمدينة، بل هؤلاء الذين سيّسوا الأمة اليوم لم يخرجوا من الهندسة التي رُسِمت وعشعشت في عقولهم وجاءوا بها ليحكموا بمثل تلك العقليات والرؤى العفنة، وبل يوجد بعضهم من كان أصلا لا يملك مكانا لذلك والهواء الطلق مرحاضه العام، فالكوارث ما نرى والمعاينة أقصى وأنكى، ومن بدى جفى، والله المستعان.
من منّا لم يدخل في حالة العسر مكانا جماعيا يريد قضاء حاجته وإذ به يريد إخراج أمعائه من هول ما يرى في المراحيض وحولها، بل يهرب من عفن المكان إلى مكان آخر يقضي ما أراد، ولعل ذكري لمثل هذه الأمثلة إنّما نتاج واستخلاص لما يعيشه المسلم اليوم من قذارة الحكم ولا مسؤولية الحكّام في التسيير واضعا أمامه الصورة التي عليها هؤلاء المسؤولين ومدى تعفّن الأجواء والاحتقان الذي وصل إليه المجتمع بكل أطيافه حتى صار الحاكم والمحكوم من طينة الخراب الواحد، واللامبالاة أصبحت شعار الكل، فما الصورة إلّا انعكاسا لما في بواطن الإنسان من تصوّرات لبيئته وكيفية تسيير حياته اليومية ولمعالم الطريق التي ارتكز عليها للسير مع الركب النهضوي للانسان والمجتمع، فالمصائب جلل والرؤية ضباب ولا آفاق إلا بالمغاليق والانسداد، فالضغط هائل والإنفجار على وشك الدويّ ولم يتبق إلا ذلك عود الكبريت أو شيئا من سيجارة منتهية الطائشة تحرق الأخضر واليابس ولا تبق ولا تذر على القليل من المكتسبات الشبه وهمية..
فما الذي حمل مَن جدّ واجتهد إذًا حتى يحصل على نظرة مغايرة لما عليه الحكّام من خراب في التصوّرات والرؤى والانتكاسات على ارض الواقع ومن بعدها يُهمّش أو يأكل الصدأ ملفّه في إدراج ذلك المسؤول الثماني العمر والذي كانت الطبيعة الطلق مسرحا لنفياته العقلية والحسيّة، فهل من سكن البادية بهذه العقلية الفرعونية الصرفة أم موكّل بحراسة المنصب ولا يسلّمه إلّا بأوامر المستعمر ولمن يخرّب أكثر وأحسن أم ماذا؟ ماذا تريدون من مجتمع طموح يريد أن يعيش حياة لا سلطان على أحد عليه إلا سلطان خالقه وما أمر؟ فهل وقفتم يوما واحدا أمام مرآت حقيقتكم وأنّكم في دار عجزة سياسية تتطفّلون بفشلكم على شباب يريد أن يتخطّى زهيمَرِكم؟ فللعلم أصبحتم أضحوكة حتى بعد موتكم والأجيال لا تذكر محاسنكم بل مساوئكم وما اقترفتم بحقّكم الوجودي، وآثاركم العفنة، وما وقّعتم باسم جهلكم الذي انتقل لسلالتكم والتي تريد أن تخلفكم في عبثكم الهرمي من هندسة الفشل إلى طريق الخراب والدمار والملغّم بسبب سياساتكم اللّامدروسة وما تركتم من نفايات على جدران بيت الخلاء الذي أقمتموه في عقولكم ومنازلكم حتما ..
آن الأوان لتتغيّر المفاهيم والعقليات، آن الأوان لكي تُتطلى جدران النفايات، آن الأوان لِئَن تدخلوا دار العجزة للسياسيين بما اقترفت أيديكم من جرائم بحق الرعية والمظلومين، آن الأوان لِتُكنس الطرقات من عبث البنايات غير المدروسة، آن الأوان لوضع خريطة طريق كسفينة نوح -صلى الله عليه وسلم- كطوق نجاة لما تبقى من الصالحين لإصلاح البلاد وأخذ الشعب إلى نور الله، إلى مصابيح الإعمار، إعمار الإنسان بعد أن هدّموا بنيانه كمخلوق يستحق النور في ظلمات العابثين الظلّام، آن الأوان أن تُكنسوا كغبار على صفحات كُتب التاريخ، وإلّا إذا شُبّ الحريق فمصير الكل معلوم، فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، والله غالب على أمره ولكن أكثر النّاس لا يعلمون ..
السلام  عليكم ...
======================
كتبه : نورالدين الجزائري
بتاريخ 29 شوال 1439 الموافق ل 13/07/ 2018






samedi 26 mai 2018

مقال بعنوان " تنظيم القاعدة و السقوط في الارجاء " ... بقلم المدون نورالدين الجزائري



تنظيم القاعدة والسقوط في الإرجاء ..

كان ابن المعتز يقول إنّ البيان (الكلام) هو ترجمان القلوب، وصقيل العقول، وهذا غير حال كثير من أدعياء الجهاد والسلفية اليوم، فكم من منظّر وشيخ و داعية ومن وافق كلامهم من الأتباع انتهج الثرثرة لتبرير الثمار غير المرجوة، وكم منهم من ظنّ أنّه يحسن عملًا وصنعًا ونتاجه كان في المحصّلة خردة من قصدير مثقوب، فمن لا يعرف عيبه فهو أحمق كما قال إياس بن معاوية، وعيبهم الكبير الذي لم يقفوا عنده مخاطبين أنفسهم بكل صراحة هو كثرة الكلام والثرثرة والتعريص والتشغيب على الدعوة والتكيّف مع أساليبها، فلكل نازلة رجالها ولكل زمن ذكوره، وما أكثر النوازل التي حلّت بالأمّة وعلى توحيدها، وما ندرة وقلّة مَنْ فهِم فقهها والتعامل معها مرحليا، والذي أعمته النظرة الشخصية وحبّ الانتصار للمذهب والحزب والجماعة دون مراعاة مآلات المرحلة فلا يمكن أن يتمخض من عقول وتجارب هؤلاء إلّا خسران كل القضايا وإن انتصر في بعض منها، فالنهايات بالمقاصد، والثِمار بما غُرِس، وحظوظ الأنفس في الأخير من تنتصر على التنظير وقِصَر النظر في النوازل وتبعاتها ..
صدّعوا رؤوسنا بملّة ابراهيم وأزبدوا في توضيحها نظريّا، وأنّ سلامة المنهج غير منهج السلامة، وشنّعوا على المرجئة وأفراخ الطواغيت وسفّهوا مجالسهم ودعاتهم، وليكن ذلك من باب محاولة إرجاع البعض منهم إلى الحق وهذا جِهاد الخواص كما تبيّن عند سلف الأمّة، وأنّ الحق مطلب دوران المسلمين حوله، وأنّ السنة واعتقاد سلف الأمة الميزان الذي يقاس عليه كل عمل صغير كان ام كبير، وأن ما كان دينا بالأمس فهو دين اليوم وغدا، ولكن احتكار الحق وتسفيه من يريده ويطلبه بثرثرة وكلام على غير جادة العلم فهذا ممّا حذّر منه الافذاذ والجهابذة وأنّه باب قاعه السقوط إلى ما لا تُحمد عقباه، ولقد تبيّن أنّ كلامهم مقيت ليس إلّا زفرات شخصية ومذهبية وحزبية، دوافعه الشهرة وصدارة التنظير وأُبّهة الرجوع إليهم في النوازل، فالتنطّع في الاحتكار جعل من القوم ما هم عليه اليوم من تخبّط في التوجّه والتوجيه، وتيه في المآلات، وصدمة في النتائج، وقد ظنّوا أنّ ملّة إبراهيم ما هي إلّا دراسة التوحيد ومعرفة أقسامه وأنواعه الثلاثة، أو شرح الأصول الثلاثة فحسب، فلو أنّ ملّة ابراهيم كانت هكذا كما رأوها وفسّروها لما أُلقي ابراهيم -عليه ااسلام- في النار، فقولهم ومن خلال ثرثرتهم غير عملهم ومعتقدهم، فسبحان من أنكر عليهم التنظير من دون عمل كما أنكروا هم على المرجئة قولهم بدون عمل، فما أكثر الإرجاء اليوم من تزيين عمل الطاغوت إلى التثبيط باسم الجهاد، وما أقبح مرجئة الجهاد إذ لا يرون العمل إلّا بمنظورهم وبتوصياتهم باسم فقه المرحلة والمصلحة، ومن ظنّ أنّه يمكن المراوغة في ظل هذه الحملة الصليبية العالمية اليوم على ديار الإسلام فقد أساء الظن بالسنن وبفقه الجهاد الذي تكيّف معه أهل الثغور، والذي لا يرى نفسه إلا وصية على جهاد المخلصين اليوم من أبناء الأمّة وأنه مرجعهم فحاله كحال عمائم الرافضة كالسيستاني وأشباهه، فأمّا علماء ودهاة ومنظّري جهاد الأمّة لا يمكن إلّا أن يكونوا في مقدّمة الصفوف وعلى رأس الطليعة لمقارعة الصليبيين واليهود والشيعة، فحملتهم جمعاء شنيعة، لا تفرّق بين عالم ومنظّر وداعية أو مسلم بسيط أو حتى رضيعة، فكيف اليوم بهؤلاء وقد أضرّوا وأفسدوا أكثر ممّا وجّهوا وأرشدوا، وقد نادوا بمذهبهم وحزبهم وشنّعوا على من خالف توجّههم ونظرتهم، واختلقوا المصطلحات ليُنَفِّروا ويشقّوا، فالأمّة اليوم في تشرذم لم تشهده حتى في عصر المغول أو الترك، ومن لم يتعلّم من أخطائه فلا شكّ أن ينظر إلى مخالفه على أنه العورة ويؤتى الإسلام من قبله ..
قرأت لأحدهم من أيام قليلة على أن تعامل فرعه مع عساكر الأتراك في المناطق "المحررة" أو بالأصح التي أُعطيت لفصائل الدنيا وطلّابها جائز من باب المصلحة، وأن فرعه حتى و إن توقّف عن مهاجمة عسكر الأسد فذلك بتوصية تركية، فيا عجبًا من ثرثرتهم بالأمس وتكفيرهم لولي أمر الأتراك عينا وأن كفره كفر فرعون وأن جنده منه ومن جنس عمله، فما أضرّ بالمسلمين وخاصة المستضعفين منهم إلّا مثل هذا التخبّط في فقه النوازال، ولكن لا ضير فالرجل لا يريد أن يندثر تنظيمه بعد أن باع قضيّته من شجّعوه على نكث البيعة وكانوا له سندًا عند فعلته، وحينها تشابهت حظوظهم في التمسّك بشعرة معاوية وعدم إخراجهم من الساحة الجهادية، ويعلم الله أنّهم يعوا إلى ذلك بأيديهم وسواعدهم انتصارا لمشروعهم الوطني، فصبيّهم فضحهم عند الانشقاق ونادى بالوطنية في الآفاق وشجّعوه كما شجّعوا طالبان بأن ترتمي عند الروافض وبالأحضان، فالقوم لا عقيدة لهم إلّا ما قرّروه كتنظير، ولا منهجية في التبرير إلّا ما رأوه مصلحة وتقديرا، فتخبّطهم جليّا للعيان وأما أفراخهم فخظّت بكل ما اقترفوه من فرية وزادوا على التجني بمثير من البهتان، فاليوم مناصريهم وأتباعهم يتباكون على الحاضنة التي ارتكزوا عليها وقد استبدلتهم عند جند الأتراك في الشمال السوري بقليل من مساعدات وليرات معدودات، فمنشوراتهم ومقالاتهم تندّد وتبكي حبرًا اليوم وتتحدث عن خطط مارشال تركية في المناطق المحررة لكسب قلوب وإغواء الفصائل بترك القتال ومن كانوا بالأمس مشروعهم لدويلة داخل دولة دون القضاء على الورم وانتظار البلسم من الشرعية الدولية، فهل هذه هي الملّة الابراهيمية ..!
والعجيب أن هؤلاء تساووا مع المرجئة في إرهاب الخصوم، فلا فرق بينهم في التشنيع ووصف المخالف لطريقتهم بالخوارج والغلاة، فإن لم تكن معي فأنت هدفي لإسقاطك بشتى الطرق والوسائل، وهذا من الجهل الغليظ بما كان وعدم التحاكم إلى صريح الوحيين والانتصار للطائفة بزعمها الأسبقية والخبرة الميدانية، وتاريخ القوم حافل بكثير من التنظير وبقليل من العمل و نصرة للمستضعفين ، فلا مزايدة و لو عُدَّ للقوم الكوارث التي جُنِيَت من أعمالهم و تنظيرهم بعد استشهاد أسامة
ـ تقبّله الله- لدسّوا رؤوسهم في وحل الانتكاسات والويلات، ولكن الحليم من يستحضر تاريخا يراجعه أمام المحن ليستخلص العبر ويتّفق مع من وافقه العمل وتقدّم وإن هو تأخّر، فالغاية إرجاع الأمّة إلى رشدها وجهادها حتى تستفيق من سباتها ولا تنتكسها نزاعات تضعِّف من قدرات الأمة بتحمّلها، أو إيجاد الوقت للإنصات إليها والأخذ والرد فيها، فالأعداء اليوم استغلوا هذا التنظير والتشرذم في ساحات الوغى وعمِلوا على تقوية هذا مقابل محاربة وإضعاف الآخر، فباسم الاعتدال والوسطية في القتال فقد تأسست مرجئة الجهاد، وإن كان قد تقرر أن الإيمان عند أهل السنة والجماعة اعتقادا وقولا وعملا، فكذلك الكفر عندهم يكون بالاعتقاد أو القول أو العمل والشرك والشك والترك، فتقبيح دين الطاغوت بالأمس للمصلحة وتزيّنه اليوم للمصلحة ذاتها فإن هذا التنظير لا شكّ أنه صنم يُعبد من دون الله والعياذ بالله، فالثبات على دين الله جوهره الصدق وليس السبق، فكم من منتكس رأيناه في النّوازل وقد حملناه على رؤوسنا سنينا، وكم من مبتدئ عايناه أياما وقد ثبت إلى آخر رمق، فهذا دين الله ونوره ويؤتي الله دينه ونوره من يشاء ..
السلام عليكم

=====================
كتبه: نورالدين الجزائري
10 رمضان 1439هـ الموافق ل 26/05/ 2018





lundi 21 mai 2018

مقال بعنوان " إنكم اذا مثلهم " ... بقلم المدون نورالدين الجزائري



إنّكم إذًا مثلهم ..

اليوم وأكثر من ذي قبل، آيات قرآنية لا تُقرا فحسب، بل تتجسد واقعا في ديار المسلمين، ملامسة ذلك الكلام الربّاني والذي لا ريب فيه أصبحت معايشته حقيقة في هذه الأزمنة الأخيرة، أشكال وأنواع من الحروب على أمّة الإسلام حتى يستسلم أبناؤها قبل أعدائها، يريدون قلب معادلة الخيرية التي خُصّصت لها إلى كل ما هو شرّ يخرج منها، والمصطلحات جاهزة لكل نازلة وواقعة، جنود بشتى التخصّصات غُرِست في الدّيار، إنّهم منّا ونحن منهم هُويّة ونسبًا، المهمّة الموكلة الصدّ عن سبيل المؤمنين والفهم على الطريقة الأولى، السِّهام من كل حدب وصوب على ما تبقى من السّلامة في جسد الأمّة بعد أن أبقت فهمًا وشيئا من المناورة لِمَا خلّفه التغريب على الأمصار، جرح ونزيف مستمرّ من عشرات السنين والأمّة لا مدافع لها إلّا فئة مؤمنة كإيمان أهل الكهف وصمود أصحاب الأخدود، حربا بلا هوادة على ما يعتقدون وما يحملون من أمانة ، فعقِلوا المخاطر وتهيّأوا للمراحل، نصبوا صوب أعيُّنِهم تحذيرا ربّانيا :" إنَّهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملَّتهم ولن تفلحوا إذاً أبداً "، فالمعركة اليوم معقّدة وحسّاسة ودقيقة، وقليل من فهِم اللعبة وكيف أصابت الأنفس بعد أن خُرِّبت الأوطان، بمراحل واستراتيجية من حروب آخرة ..
فالمظاهرة على الغير إنّما هدفها عسكري احتلالي، ينشأ من خلالها العدو تبعية سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية حتى يسهل غرس مفهوم التبعية، ومن أساليب الأعداء العمل في أوّل الأمر على دراسة هُوية المقصود إليه، فلم يشهد تاريخ الصراعات والحروب والغزوات منذ صدر الإسلام إلى حملات الإنجليز والفرنجة على المسلمين واليوم الأمريكان مرورًا بالحروب الصليبية أمّة أعيتهم واستنزفتهم عسكريا مثل أمّة الإسلام، وذلك للهُوية الفريدة والنّوعية أو مجموعة العقائد والمبادئ والخصائص التي رُسِّخت في المسلمين والتي جعلت منهم أمّة مغايرة للأمم الأخرى، فالهدف من الحروب أو مصطلح اليوم والمسمى بالاستعمار هو ذوبان الضعيف في صلب القوي ونزع الهُوية منه وما يدين به وما يعتقد حتى يصبح كأن لا أثر له بعد عين، فلو أن كل الحروب التي مرّت على المسلمين مرّت بها أجناس أخرى لاحتاج الأمر إلى غزوات قليلة حتى تكتمل عملية الانصهار الكلّي، ولأصبحت تلك الأمم من خبر كان والشواهد على ذلك كثيرة، إلّا أمة الاسلام أضحت صامدة في وجه الأعداء ممتنعة عن الذوبان مع كثرة ضعفها إلى أن دخلوها من باب آخر غير المواجهة المباشرة، فلم يقف الغرب الصليبي معادياً لأحد كما وقف من الإسلام، لعلمه أن هذا الدين يحض على تحرير الإنسان من الإنسان، وينص على العبودية لله وحده، ومن دون أسياد ولا أرباب معه، فعقيدة المسلمين خطر على وجود ايديولوجيات ومفاهيم أخرى غير التي أتى بها النموس من نوح إلى محمّد عليهم الصلاة والسلام، فقد وضعوا أهدافا بعيدة المدى للنيل من الإسلام بعد أن علِموا أن المواجهة وإن كانت لصالحهم وذلك بتفوّقهم المرحلي فهم في الأخير سيخسرون الحرب لا محالة، وليتمّ إبعاد أبنائه ومعتنقيه فقد عمِدوا إلى أساليب شتى ومختلفة ومتنوّعة وهادئة لا إثارة فيها، وذلك بزجّ أبناء الأمة بهدم مقوّماتها بسواعدها وبداية من الفرد إلى المجتمع الضيّق والواسع، وهذا الذي جاء استنتاجه مع كل حملة صليبية على بلاد الإسلام بدءً بتلك الحملة التي قادها لويس التاسع على مصر وكان ملكا على فرنسا والذي تمّ أسره في مدينة المنصورة، وكان خَلاصه بفدية، وقد ظل طيلة أسره يفكّر في الطريقة التي يمكن هزيمة المسلمين بها، واهتدى إلى أن القوة العسكرية لا تجدي مع المسلمين لأنهم أصحاب عقيدة راسخة والسبيل إلى هزيمتهم تكون بطرق أخرى من أتباع وغرس الثقافة الغربية في أبناء الإسلام، فرجال حملات الصليب ومنذ فجرها إلى أيامنا هذه تنوّعت أساليبها من عنف إلى نعامة في الغزو، وبعد أن كانوا محاربين غزاة أصبحوا معاهدين بسلاحهم مسالمين داخل الأمصار وأصحاب مشاريع نهضوية للأمة، فالغربي نزع لباس الصليب الحربي ودخل بلباس السياسة ودين الديمقراطية، وهذا الذي أكّده نيكسون في مذكّراته حيث قال: " ليس أمامنا بالنسبة للمسلمين إلّا أحد حلّين، تقتيلهم والقضاء عليهم أو تذويبهم في المجتمعات الأخرى المدنيّة والعلمانية، ووالله إنّه لقرآن ملموس معاش"، فهي استمرارية في قتالنا وبأساليب حسب مقتضيات المرحلة والتخطيط"ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا"  ..
فنفايات الغرب اليوم في أوطاننا من اعتقاد وسياسة واقتصاد وثقافة، فبعد أن تفوّق في معنى ومفهوم القوّة العسكرية، أصبحت جيوش المسلمين منظومة تابعة له وتعمل تحت إمرته من خلال تحالفات ومعاهدات وشراكة ثنائية، فالأمور انقلب رأسا على عقب ولم تعد ما عليه من مفهوم عقيدة قتالية تتميّز بها جيوش الأمّة عن غيرها، فجيوش المسلمين أوّل من ذاب في هذا المخطط الجهنّمي وانصهر، وأوّل مراحل ذوبانه نزع التوحيد وما كان عليه سلف الأمّة من فهم للجهاد في سبيل الله، فالمعطيات التاريخية تدل وتبيّن ذلك، فقد قال الجبرتي في تاريخه واصفا جيش محمد علي باشا لمّا أرسل ابنه طوسون لتحرير بلاد الحرمين من الوهابية : " أنّ بعض اكابرهم من الذين يدّعون الصلاح والتورّع قالوا: أين لنا بالنصر وأكثر عساكرنا على غير المِلّة وفيهم من لا يتديّن بدين ولا ينتحل مذهبا، وصُحبتُنا صناديق المسكِرات، ولا يُسمع في جيشنا آذان ولا تقام به فريضة ولا يخطر في بالهم ولا خاطرهم شعائر الدين" وتابع الجبرتي قوله: والعجب سمّوا الوهابية بالخوارج ومحمّد علي نفسه من خرج على الدولة العثمانية، واستعان بروسيا عليها " ، وقس على ذلك أواخر أيام العثمانيين فقد نبذوا الحكم بالفقه الإسلامي المأخوذ من الشريعة، وصارت تحكم بالقوانين المأخوذة عن الأنجاس والأرجاس، وكان ذلك في مصر وبلدان المغرب الإسلامي، فالظروف كانت مهيّئة للمسخ الذي نحن عليه اليوم، فانظر إلى ما حلّ بالجيوش العربية اليوم من تغيير لما ألفته الأمّة من سلوك وعقيدة، فقد انتهجوا عساكر الغرب في اللّباس والمناصب والمراتب، ولم يعد هنالك أمير أو والي أو مجاهد أو مهاجر أو مناصر بالمفهوم والموروث الذي ورثناه من الأوّلين والسابقين والمؤسسين لمفهوم الجيوش في الإسلام، وأدخلوا على الأمّة شُرَطٌ غير التي كانت تُعرف على عهد الخلافة، فمعظمهم جند لترسيخ الطغيان وتثبيته وإزالة وإزاحة من يقف ضدّه، ناهيك عن رجال المكوس أو الجمارك والذين يدينون بما تعارف عليه المجتمع الدولي من نهب وسلب خيرات المستضعفين باسم مكافحة الجريمة والتهريب، بل هذا ما حرّمه الإسلام جملة وتفصيلا، وأنّه البغي على أموال الناس وأكلِها بغير الحق وغير الآبهين بالشرع، فقد وُلِد للمسلمين طغيان من بني جلدتنا يجمعون للصليبيين الجزية باسم الضرائب، فخراج هذه الأموال إنّما لترسيخ الحمومات الوظيفية التي تأتمر بالإستعمار الناعم المسمى زورا المجتمع الدولي، فالمصطلح فيه تسلسل من القوّي إلى الضعيف ولكل حصّته على حساب الأمّة ومقدّراتها ..
فتركيز الغرب على الإسلام وكيفية ضبط عقيدته كانت ولا تزال من مهام الأولى للديمقراطيات الكبرى في العالم، فأمريكا وبعد أن استلمت إرث امبراطوريتي انجلنرا وفرنسا عمدت على استراتيجية دقيقة أسمتها بحرب الأفكار، ومن أوائل من نادى بذلك الباحثة الاكاديمية في معهد نيكسون زينو باران، ولها عدّة أبحاث في هذا المجال ومن ضمنها (القتال في حرب الأفكار) والذي يُعدّ ارتكاز أفكار لوزير حرب بوش الإبن دونالد رامسفيلد مهندس غزو العراق وتدميره، فكثيرا ما كان يصرّح علنا بأهميّة غزو العالم الإسلامي ثقافيا، وهو صاحب معهد رند بامتياز مع دنيس روس، والذي عَلْمَّنَ شيوخ بلاد الحرمين وجعل منهم ومن خلال مؤسّسته مسخًا ونموذجًا لبقية العالم الإسلامي حتى دلّسوا على أبناء الأمّة ومسخوهم إلى اتباع ومذاهب واعتقادات شتّى، وما نراه اليوم من تفكّك داخل البيت الإسلامي من بحث تحت عنوان القتال في حرب الأفكار، فقد استطاعوا أن يُفهِموا أن من نادى بالأصولية عقيدة وعملا على أنه من الخوارج داخليا وإرهابيا على المستوى الدولي، فالخارجي هو الإرهابي في نظر علماء المسلمين اليوم ومؤسسة رند، فقد تساوت المفاهيم واختلفت فقط المصطلحات، وانساق أبناء الأمة في تيه مقصود فأصبح الذئب خروفا والخروف ذئبا، حتى بعث الله لهذه الأمة من فرّق بين الفهم والمصطلح وأزال عنها الغشاوة ولم يُنَحِي عنها الغطاء بعد، فاليوم وبحمد الله انكشفت المفاهيم وزيف المراسيم ..
فإنّ مشاكل الأمة كثيرة عديدة وغير المحصورة لِمَا أصابها من مسّ مباشر وغير ذلك، فقد ركّز الغرب خاصة على المدرسة، من الكلّيات والجامعات إلى الابتدائيات، داخليا وخارجيا، فقد عمِد الغرب وأصرّ على غرس ثقافته عبر التعليم حتى أضحى المسلمون فيها يُصغّون صياغة غربية خالصة، فالمناهج التربوية لا يقوم عليها إلّا من تتلمذ على طاولاتهم وأخذ بوصاياهم المختلفة في اتّباع نموذجا للتعليم، فمجمل وأهمّ التوصيات في المناهج غرس في نفوس أبناء المسلمين حب غير المسلم وعدم نبذه عقيدة، وغرس ثقافة التسامح الديني وذلك لإبعاد مفهوم الولاء والبراء وأن لكل دينه والقيادة لمن تفوّق علميّا وبأدوات غربية، فهذه هي عين الهيمنة والتبعية للقويّ وعدم مساءلة القائم على هذه المناهج التربوية، فالكوارث اليوم من خلال هذه التخطيطات ملموسة ومعاينة من خلال النشأ الذي تخرّج من هذه المنظومة، فلا دين لهم ولا عقيدة ولا هُوية، برنامج تخريبي من جيل لآخر عن طريق الوصاية والهيمنة التعليمية والثقافية، بل أكثر من ذلك أنتجوا أجيالا لا همّ لها إلّا العلف والمادة وليذهب الإسلام ويعود إلى شِعاب مكّة ..
إنّ ما حلّ اليوم بديار المسلمين لهو عين التحذير الرباني الذي جاء في كتاب الله من عدم الفُرقة والصد عن سبيله، فالمجتمعات الاسلامية نخرتها الأحزاب السياسية والتي تُسمّى زورًا وبهتانًا بالاسلامية، فالتحزّب خراب ووبال على أبناء الأمة باسم المدارس الفكرية، فلم تكن المذاهب في يوم من الأيام إلّا على عقيدة واحدة راضية بحكم الطواغيت، ترى فيه دكتاتوريا بتقويضه للحريّات ولا ترى فيه مرتدّا بعدم تطبيقه لما أنزل الله، فالشريعة أصبحت دون سياسة الجماعة والتي فهمها من استشراقات غربية وإن أصبغت بصبغة إسلامية، فإن أكثر من فرّق باسم التجميع هي هذه الجماعات الاسلامية وايديولوجياتها المتنافية لصريح العقيدة، فخيارها لصناديق الاقتراع وعلى الطريقة الغربية في من يمثّل الأمّة ليس على ما تعارفت عليه الأمة من سياسة شرعية، فاللّهم ألعن مفاهيم العصر وطريقة الوصول إلى الحكم بآلياته المشهودة اليوم، فإن حقيقة البناء السياسي يبدأ بالإيمان بالله تعالى وينتهي بالجهاد في سبيله، وهذا الذي نبذه الحاكم بأمر أمريكا اليوم في بلداننا ناهيك عن حاملات الطائرات الراسية على شواطئنا والمستعدّة لترسيخ مفهوم تداول السلطة على حساب خيار الأمة المستمد من السياسة الشرعية ..
فلا بدّ من رجوع إلى الهُوية وإلى الخيرية والوسطية التي شخّصت المسلمين دون غيرهم من الأمم الأخرى، فغيرنا مسخ بدون إسلام وهذا الذي يحاربون الأمة من أجله، فيريدوننا سواء في الكفر والاعتقاد ولا تميُّز في التشريع، فالغرب مستمرّ في حربه على الأمة وهذا مبدأ قرآني لا يمكن لزنديق أن يقول أو يترجم بخلافه، فالمعركة اليوم مفتوحة على كل الاحتمالات إمّا أن نكون أو لا نكون وقد أعلونها أن لا نكون وعلى أقل تقدير ذوبان وانصهار في الكفر، فعلى أبناء الأمة تحمّل المسؤولية المكلّفة من طرف الخالق عزّ وجل والعمل على العودة إلى مفهوم المطلوب وتصحيح الطريق، فقد سبقهم إليها مَن كلُ سِهام الغرب تنال منهم اليوم، وعَرِفوا الطريق، فليس الإعمار ما تعارفت عليه المسمّيات الوضعية، وإنّما الإعمار عمارة النفس بالعقيدة وعدم الرضا بغير مفهومها والاستقامة عليها وعلى رأسها صحيح وصريح التوحيد، فإنّنا أبناء خِيام وافتراش رمال الصحاري وكهوف الجبال وسلامة العقيدة والمنهج، ولم نكن في يوم من الأيام بإعمار على وزن وفهم تعمير ببنايات على رأسها الكفر والإلحاد، فالمسلم يرضى بالحجارة مسوّاة على الأرض على أن يُحكم بشريعة الطغاة وهو في بروج مشيّدة باسم التقدّم والتمدّن والحضارة، فإن لم يُستوعب هذا الكلام فإنّكم إذًا مثلهم ولا كرامة، وسيأتي الله بقوم آخرين يحبّهم ويحبّونه ويجاهدون القريب قبل البعيد وتلك هي السنن فلن تجد لها تبديلًا ولا تحويًلًا ..
السلام عليكم ..
===============================
كتبه: نورالدين الجزائري
05
رمضان 1439هـ الموافق ل 21/05/2018



jeudi 17 mai 2018

مقال بعنوان " أمريكا وإيران ونقض العهود " ... بقلم المدون نورالدين الجزائري



أمريكا وإيران ونقض العهود ..


أمريكا ومنذ نشأتها عمِدت على أن من يحكمها إنّما يحكم سياسة الصراعات الموجودة في العالم، إمّا عبر ما تدفع إليه كصراعات لإملاء السياسات، وإمّا خراج ما تؤول إليه بعض الصراعات لإبقاء التوصيات، فمبدأها العصا مع حروبها المباشرة والجزرة مع غير ذلك، فهي دولة ومنذ نشأتها يتعاقب عليها رؤساء تحكمهم سياسات معيّنة، متّبعة ومدروسة، تمليها لوبيات تارة مالية وتارة عسكرية حسب ما يكون عليه المجتمع الدولي من سياسة عالمية تمليها رغبات اللوبيات ..
العالم اليوم تحكمه الطاقة من خلال دول منتجة وأخرى مستهلكة، ومن يُجِيد المضاربة في الطاقة فقد يحتكر الانتاح والتسويق وأرقام الشريان المعمول بها دوليا، فأمريكا ربطت كل رؤوس أموال العالم ومنذ الحرب العالمية الثانية بعملتها الوطنية، فجعلت اقتصاد كل الدول مرهون بالفيدرالي الأمريكي ومن ثمّة مراقبة التداولات المالية المباشرة أو عبر التسويق والمضاربة، فأمريكا تعلمت درس نيران الطاقة التي اكتوت به وحلفائها في السبعينات من القرن الماضي، فعمِدت على التلاعب به واحتكاره حتى أصبح لديها أكبر مخزون طاقة في العالم، وهي تتصدر اليوم العالم من حيث الطاقة البديلة من الغاز الصخري إلى الروّحات أو التوربينات الهوائية مرورا بالألواح الشمسية المولّدة للطاقة، فبسياساتها هذه تريد الحدّ من هيمنة أوبك على السوق العالمية وإحكام خاصة قبضتها على كبار منتجي الطاقة في العالم من بترول وغاز، وكان من سرّ نجاحها في التحكم بالطاقة الهيمنة عليها مباشرة عبر الحروب كما شاهدناه في حرب الخليج الأولى والثانية، أو عبر وكلاء يأتمرون بسياساتها بمبدأ الحفاظ على المكتسبات إلى أن ظهرت الدولة الإسلامية واستيلائها على أكبر رقعة جيوسياسية عالمية من انتاج وممار للطاقة، فكان لها غير الذي رسمت وكان عليها إعادة غربلة مطامعها، وتقديم الأوّل فالثاني لإبقاء نفوذها على المنطقة، وما تفاوضها مع إيران في الملف النووي إلّا حربا بالوكالة على الدولة الإسلامية، وإنشاء تحالفا دوليا يقصي أصحاب الثروة الحقيقيين (أهل السنّة) وإبعادهم من التحكّم في جزء يسير من مخ وأعصاب الإقتصاد العالمي ولو لصالح فئة المعيّنة من النّاس ..
وما أشبه اليوم بالبارحة في إعادة سياسات الدول ورجالاتها على منطقة الخليج ، ففي عهد جورج بوش كان ديك شيني من أشدّ أعداء إيران وكان ممّن أرادوا الإطاحة بملالي طهران بعد صدام إلّا أنّ بوش وخمينائي اتّفقا على أن لأمريكا النفط بدون حسيب ولا رقيب وأن لإيران إدارة العراق بعد الفوضى التي تسببت بها في حلّ كل مؤسسات الدولة العراقية بعد الغزو مباشرة لبغداد، فمن المحنة تأتي المنحة وكان لأمريكا من خلال هذا الاتفاق التنصل من العبء الأخلاقي إزاء جرائمها وتسليم العراق لإيران لإملاء الفراغ السياسي، وما كان من إدارة بوش إلّا الرضى على إيران مرحليا مقابل تعاونها السياسي والاقتصادي الكامل، وهذا الذي ثمّنَه باراك أوباما بإبرام اتفاقات سياسية معها من خلال إطلاق يدها في كل من سوريا واليمن والمزيد من الهيمنة على العراق ولبنان، فإيران وافقت على رزمة من شروط امريكا بعد ذلك بمقاتلة الدولة الاسلامية بالوكالة عبر ميليشياتها مقابل إعادتها للمشهد السياسي من خلال رفع الحظر المالي على نشاطها الإقتصادي والسماح للمجتمع الدولي بالتعامل معها في شتى المجالات الحيوية والتي كانت إيران بحاجة إليها، الشيء الذي ترك دول اوروبا تتهافت عليها وتتعاقد معها وإغرائها بعد أن كانوا من الموافقين على شروط الإتفاق النووي الموقّع بين الأطراف الأوروبية وروسيا والصين وأمريكا، إلى أن جاء دونالد ترمب ومرحلة أخرى من سياسات امريكا على المنطقة أملتها ظروف معروفة في تراجع نفوذ الدولة الاسلامية على أراضيها، وكان لابد أن تعاد صياغة كل الإتفاقيات والتفاهمات الدولية من الشراكة الإقتصادية مع الصين والخلاف حول الملكية الفكرية إلى الاتفاق النووي الإيراني مرورا بتجميد صادرات الصلب الأوروبي وفرض رسوم جمركية تعجيزية على الحلفاء، وهكذا أمريكا ومن عادتها نقض الاتفاقيات والعهود وإعادة حساباتها حسب ما يخدم مصالحها القومية وسياسة وهيمنتها على الدول وخيراتها، فترامب بتعيينه لتلرسون في بداية عامه الأول لحكم أمريكا يندرج في إعادة قراءة المشهد الإقتصادي العالم بحسب خبرة وزير خارجيته كرئيس لتكسون موبيل الشركة المتخصصة في تحويل الطاقات، ومن ثمّة دخول مرحلة ثانية أكثر عنف سياسي من حيث المجيء بكلون (استنساخ) لديك تشيني وهو جون بولتون والمحرّض على إعادة العقوبات السياسية والاقتصادية على إيران، وأيضا دخول بومبيو رئيس أقوى جهاز مخابرات في العالم كوزير خارجية لترامب معلنا على نهاية حقبة وفتح حقبة ثانية أكبر هيمنة وأصبعًا على الزناد لأي مواجهة محتملة مع كل من إيران وداعميها من الصين وروسيا ..
فأمريكا فكّكت برنامج إيران النووي عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومن خلال الإتفاق المبرم مع ما يسمى بدول 5+1، فقد كشفت إيران وفي جزئه الكبير عن برنامجها النووي الذي طالما كان من الأسرار الكبرى لها، وقدمت مواقعها لتخصيب اليورانيوم على طبق من ذهب للوكالة الذرية وأسماء المفاعلات المهمّة، وبدّلت بعض من برنامجها بإدخال بعض التعديلات على أهم المفاعلات لتخصيب الماء الثقيل والذي من خلالها يمكن تصنيع البلوتونيوم الذي يدخل في التصنيع العسكري ومنه القنبلة النووية، فالصين هي من أدخلت التعديلات على مثل هذه المواقع، وكانت الضامن الأكبر والراعية للبنود لإعادة إيران لحضن المجتمع الدولي ورفع الحضر عنها، فمجيء ترامب وقبل أن يتطرّق للملف الايراني فقد افتعل أزمة اقتصادية مع الصين لإلزامها بالدخول في شراكة اقتصادية واسعة من خلال الدفاع عن المصالح العليا للولايات المتحدة الأمريكية في مجال المنافسة والابتكار، وعمد كذلك على حل أزمة كوريا الشمالية بالطرق الديبلوماسية مراعاة للتحالفات القائمة في عمق آسيا، فالتقارب الامريكي الكوري الشمالي عزّز ثقة بكين بواشنطن ومن ثمّة حُلّت المشاكل الدولة العالقة بين الصين وأمريكا، وبموجب الملف النووي الايراني فقد حصلت الصين على استيراد المزيد من النفط والغاز الإيراني الرخيص
بموجب الاتفاق، تتضمن المرحلة الشيء الذي تعهدت به أمريكا والسعودية لها بضخ كميات هائلة من الطاقة وبأسعار كالتي حصلت عليها بموجب الاتفاق النووي الإيراني ..
إنّ من أفشل برنامج الإيران النووي هو محمد بن سلمان بفتح خزائن بلده لأمريكا من خلال ضخّ مئات الملايير من الدولارات في الفديرالي الأمريكي، وحصار قطر يدخل في هذا الباب من الناحية التكتيكية والمساومة على مستقبلها، فإيران تحتل المرتبة الأولى في المنطقة والعالم من خلال الطاقة ( بترول + عاز )، فمكانتها الاقتصادية ثقيلة عالميا من حيث الطاقة، فالسعودية تعهّدت بضخ ما ينقص من بترول الايراني في الأسواق العالمية، وكذا قطر سيضظرّها ترامب لقبول صفقة مع السعودية من خلال تعويض المجتمع الدولي بالغاز وفكّ ارتباطها بإيران، وما "خروج" أمريكا من سورية وتركها لروسيا يندرج ضمن المفاهمات على عدم التدخّل في الملف النووي الإيراني، فالصفقات والتفاهمات غير المعلنة جعلت أمريكا تنقّض على ايران بعد أن حاربت الدولة الإسلامية بالوكالة، فمن ظلم إلا وسلّط الله عليه من يرد عليه ظلمه، وإيران حصدت ما جنت من ثقة ومكر ساذج من خلال رؤية اكبر من حجمها في المنطقة ..
إن أمريكا وإسرائيل والسعودية في حلف قوي في المنطقة من خلال تقويض نشاطات ايران بعد أن فككوا برنامجها النووي، ولم يبق لإيران إلا اللعب على ورقتها القديمة من خلال زعزعة أمن الدول عبر ميليشيات موالية لها، فستصعّد إيران في الأيام المقبلة من نشاطها في السعودية عبر أزلامها ومحاولة زعزعة استقرار آل سعود في موسم الحج كأقصى حد، وكل المراقبين يرون أن إيران تريد حربا مع السعودية لإغلاق مضيق هرمز ومن ثمة شل الملاحة النفطية العالمية، وستكون ورقتها الأخيرة في مساومة المجتمع الدولي مرة أخرى واسترجاع استحقاقاتها الدبلوماسية، فأمريكا لا تريد سعودية ضعيفة من خلال حرب ستكون بالوكالة الأمر الذي تجيده ايران، فالأمور إن أفلتت سيحول خراجها للدولة الاسلامية لا محالة، فالأيام القادمة حبلى بكثير من المفاجئات إما بعزل إيران أكثر وهذا الذي سعى إليه ابن سلمان أخيرا وزيارته لبعض بلدان اوروبا والتي استثمرت عشرات المليارات من الدولار في إيران بتعويضهم وزيادة، أو عبر إبقاء على بنود الاتفاق النووي والدخول في مواجهة اقتصادية وسياسية مع أمريكا الشيء الذي سيعود بالويلات على الاتحاد الأوروبي بسبب الديون والأزمات الاقتصادية، فالمجتمع الدولي في قبضة أمريكا ولا رؤية أفقية إلّا بإلغاء الاتفاق النووي والمطالبة بالتعويض، فكل هذا حتما سينعكس على الداخل العربي، والمنطقة اليوم على كف عفريت أكثر مما مضى، فالانفلات على الأبواب هو لسان حال المراقبين، فحتما المواجهة ستكون دامية والنتائج غير محسومة وغير متوقعة الأثار، والخراج سيكون لصالح من له الحكمة والحنكة في إدارة الصراعات ومن له النفس الطويل في التعامل معها ..
السلام عليكم…
=====================
كتبه: نورالدين الجزائري
23
شعبان 1438ه‍ـ.الموافق ل 09/ 05/ 018


dimanche 29 avril 2018

مقال بعنوان : سلسلة الرد على من افترى أن جمعية علماء المسلمين الجزائرية أشعرية ــ الجزء الاول " ... بقلم المدون نورالدين الجزائري


سلسلة الرد على من افترى أن جمعية علماء المسلمين الجزائرية أشعرية
الجزء الاول

يقول الإمام مالك - رحمه الله تعالى-:" أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل لجدل هؤلاء ..؟!"، فيا ليت شعري وقف الشيخ شمس الدين على ما في عقيدته من خلل وجهل بما جاء الرسول وأقرّه على ذلك الصحب الكريم، ويا ليت شعري لم يعلن عن عقيدته المنحرفة في الأصول، في توحيد الله في الألوهية والربوبية والأسماء والصفات وكتم ما يبطن عساه يبقى شيئا من الدهر على ما هو عليه من رمز عند العامة، ويا ليت شعري لم ينبش على ما افترى على أهل المغرب الاسلامي وعقيدتهم وأنّهم وأئمتهم أشعرية، فهل كان الامام أبي الحسن الأشعري ومن بعده الجويني قبل سلف الامّة أم بعدها، وهل دخلوا في القرون الثالثة المشهود لها بالخيرية أم جاؤوا من بعد تأثّرهم بمنطق الكلامية، من المعتزلة والجهمية، وهل وقف على اعتقاد أهل المغرب قبل مجيء المهدي ابن تمورت إليهم أم له كتاب فيه يدرس وينتقي ويعتمد ..!
فالشيخ شمس الدين في كلمته الأخير متحديا بعض رموز "السلفية" في بلدي الجزائر يقول ويؤكد ويزبد على أن أهل السنة في المغرب أشاعرة، وافترى على علمائها من جمعية علماء المسلمين أنّهم كانوا على عقيدة أبي حسن الأشعري وخاصة في الأسماء والصفات، وهذا كذب محض وتدليس ومراوغة منه للتلبيس على الناس ما يعتقده ويدين به من صوفية قبورية متمسّحاً بعقيدة الاشاعرة، ديدنه دين الرافضة في الشرك والتّمسح بما كان عليه آل البيت من اعتقاد - رضي الله عن آل بيت رسول الله أجمعين-، وفِي هذه الكلمة لست متحدّثًا باسم "السلفية" ولكن كمسلم يدين بعقيدة السلف وأئمة الجزائر الحق من الشيخ ابن باديس إلى سحنون مرورًا بالعقبي والتبسي والتلمساني والعلامة الإبراهيمي رحمة الله عليهم أجمعين، وفِي ورقتي المتواضعة هذه سأقف بإذن الواحد الأحد عن الاعتقاد الصحيح لعلمائنا، وتعرية افتراءات الشيخ شمس الدين عليهم، والبهتان الذي قذفه على العامة في مناظرة "السلفية" زعمه، وهذا من باب التضليل العقدي، والذي من حقّنا الرد عليه بما أوتينا من علمٍ بالمسألة، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل ..
ففي تحدّيه للسلفية نوع من الانقلاب على الفهم والعقل والمنطق من الناحية العلمية، فلطالما ناظر السلف من أهل السنّة والجماعة غير الاعلام على المجمل والأثر المبتدعة وفِي عقر دورهم وأوكارهم، وألزموهم الحجّة والبيان وتفنيد الشبه والالتباس عمّا أثْروه و ذهبوا ووصلوا إليه وخاصة في الاعتقاد، وكثير منهم من تاب وعاد وأناب إلى صحيح الاعتقاد بعد البيّنة، وما كان بين الداعي والمدّعي إِلَّا التجرد للحق وطرقه والوقوف عنده، وقد فهِم أعلامنا من الأئمة الكبار من مالك والشافعي وأحمد ذلك، وبيّنوا ان أهل الحق في ثبات من الله، وأن أهل الزيف والزيغ في شبهات من الشيطان، وكيف يأتي الحق إلى الضلال، فالله هو الحق ونعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولذا كان الأعلام يتورعون من مناظرة أهل البدع، فقد جاء على لسان ابن ثور أن الامام الشافعي - يرحمه الله- قال :" كان مالك إذا جاءه بعض أهل الأهواء قال: أما أنا فإني على بينة من ديني، وأما أنت فاذهب إلى شاكٍ مثلك فخاصمه .."، فأهل الأهواء في مخاصمة وشكّ من أمرهم مع أهل الحق إلى أن يرث الله الارض ومن عليها وهذه سنّة الأولين والآخرين ..
فقد تجنى الشيخ شمس الدين بالقول على ان أهل المغرب ذو عقيدة أشعرية، وهذا من المغالطات والجهل بمكان مما ذهب إليه من توهّم والتباس، فلقد كان أهل المغرب على عقيدة أهل السنة والجماعة أزيد من خمسة قرون إلى أن جاء المهدي ابن تومرت من رحلته للمشرق ومتأثرا بمناهج المتكلمين من الاشاعرة وخاصة في باب الاعتقاد، حيث يقول إبراهيم التهامي في كتابه ( الأشعرية في المغرب: دخولها، رجالها، تطورها، وموقف الناس منها .. دار قرطبة/الجزائر-الطبعة الأولى/2006-ص: ما بين5و36 ) ما يلي :" لقد ظل المغرب الإسلامي على مذهب السلف في الاعتقاد بظواهر النصوص والصفات الواردة فيها من غير تأويل ولا صرف لها عن مدلولها اللغوي مع التنزيه للخالق عز وجل وذاته العلية عن أن تشبه الذوات وتتصف بصفات المخلوقين، وكذا القول في الوجه واليدين والعين والنزول والمجيء والضحك وغيرها مما ورد إطلاقه على الله سبحانه وتعالى في الكتاب والسنة، فإنهم يمرونه على ظاهره ولا يؤولونه بالذات والقدرة فرارا من الافتئات على الشارع الذي عبر بذلك، ولكنهم يعتقدون التنزيه ومخالفته تعالى للحوادث.
وظل الأمر على ذلك إلى عهد ابن تومرت ورجوعه من رحلته المشرقية حيث عمل على تحويل الناس عن مذهب السلف إلى المذهب الأشعري، وقد تحدث غير واحد من علماء المغرب والمشرق ممن تناول هذه المرحلة بالدراسة والبحث، أو تناول شخصية ابن تومرت، تحدثوا عن دور ابن تومرت الكبير في تحويل المغرب إلى مناهج المتكلمين من الأشاعرة في الاعتقاد .."..
يُتبـــــــــــــع . ..

                                                 =====================
كتبه: نورالدين الجزائري ..
بتاريخ 04 شعبان 1439هـ الموافق 20/ 04/ 2018