أمريكا وإشكالية قتال الثقب الأسود
مستقبلا...
لا شكّ أن لكل حرب تكاليفها
الباهضة وتداعياتها على النصر أو الهزيمة، ولم تشهد الحروب منذ الحرب العالمية
الثانية تكتّلا وتحالفا لجيوش تحت قيادة واحدة وموحّدة كما شهدته الحرب على "
الارهاب " في العقد الأخير وخاصة على الثقب الأسود، فقد اجتمعت وتحالفت على
هذا العدو المشترك عشرات الدول بتفاوت قدراتها العسكرية منها الغربية والإقليمية
في عقر نفوذه بعد أن استولى ولأوّل مرة على مساحات شاسعة بمساحة بريطانيا وأزيد،
فالكل تحسّس حينها رأسه ووجدانه ونادى بالتعاون والتضامن من أجل الإطاحة بسياسة لم
يعهدها العالم الحديد والقديم منذ خمسة قرون على أقل تقدير، فجُيِّشت الجيوش وحُشّدت
الحشود ورُصّت الصفوف من أجل اجتثاث من يريد الدوس على مفهوم سياسات الأمم المتحدة
ومجلس الامن وأصحاب الفيتو وإرغام الجميع على التعامل مع كيان بنظرة وسياسات أخرى
لا يمكن لأقوى بلد التعامل معها إلا بالقوة والنار ..
الآن وبعد أن آلت أمور الحرب على "الإرهاب" لصالح
التحالف الدولي بقيادة الأمريكا مرحليا فإن انتصارها وهمي استراتيجيا وصفر من حيث
المناورة والتكتيك، فالثقب الأسود استطاع امتصاص خطط التحالف الدولي من خلال فض
مركزية القرارات وعدم ربطها بالعمليات الشيء الذي أدخل امريكا وحلفائها في عملية
استنزافية جدّ معقّدة من خلال ضعف التنبؤ عند السياسي والعسكري، فاليوم لم يعد
الاهتمام بهرم القيادة وما كان عليه الثقب الأسود عند تربّعه على أراض شاسعة
وواسعة إذ كانت القرارات السياسية والعسكرية صادرة من الخليفة إلى الأمراء المنفّذين،
فلم يعد العمل بمثل هذه الهيكلة الكلاسيكية والتي قرأتها أمريكا من خلال الجواسيس أو
التنصّت على مكالمات الجند والخلايا المنفّذة للعمليات القتالية، فقد تفطّن الثقب
الأسود لهذه الثغرة وقطع المركزية بالتنفيذ مع إبقاء الجميع تحت الولاء لهرم
الحكم، فولايات الثقب الأسود أصبحت تعمل مستقلة نوعا ما وولآؤها واحد، ولا تنسيق
ما بين بعضها البعض إلا في سوريا لا يزال الأمر على الطريقة الكلاسيكية المعهودة،
فولاية سناء شبه مستقلة، وولاية غرب إفريقيا كذلك إلى خرسان مرورا بشرق آسيا، فكل
يعمل على شاكلته وبمرجعية واحدة من عقيدة وولآء وبرآء معهود، فمنه أصبحت أمريكا
شبه مشلولة في التعامل مع هكذا هرم في اللامركزية من حيث العمليات القتالية،
فالتحالف الدولي أصبح من دون فائدة رمزية في قتاله المباشر للثقب الأسود الشيء
الذي جعل منه هذا الضعف في التعامل معه في افريقيا ومهدّدا لمصالحه الحيوية
المباشرة في القارة السمراء ..
كما أنّ اليوم الكل يعرف مدى العبئ الذي سبّبته الميليشيات
المقاتلة بجنب التحالف الدولي على " الإرهاب" من حيث السياسة والاقتصاد،
فقد أصبحت الميليشيات تنافس هرم الجيوش النظامية على عرش أمن البلدان، كما أن
ميزانياتها نخرت ميزانيات وزارات الدفاع لكل بلد معني ناهيك عن المموّلين لها من
دويلات معروفة، الشيء الذي أضعف الجيوش النظامية من حيث تجديد العتاد والعمل مع أمريكا
وحلفائها الغربيين والشركات الأمنية الدولية عسكريا والابقاء على الهيمنة
الأمريكية داخل كل بلد مساهم في الحرب، فالفوضى التي سببتها الميليشيات في العراق
وسوريا فإن تداعياتها بمثابة القضاء على هيكل ومعنى الدولة أمنيا واقتصاديا،
فأرباب هذه الميليشيات أصبحوا نظاما داخل أنظمة وحكّاما فِعليّين داخل بلدان
منهارة منكوبة، فأمريكا لم تعد بهذه الفوضى في التعامل مع حشود غوغائية من حيث
الطموح والمساومات إلى فرض أمر الواقع، إلى أن أصبح بعض النافذين في هذه
الميليشيات يهددون سياسات أمريكة مباشرة في المنطقة العربية ومحاولة التقليل من
نفوذها خدمة لأجندات بلدان إقليمية أخرى ظاهرها العداء والتنافس على التوسّع في ظل
هذا الفراغ السياسي عربيا ..
فإنّ الثقب الأسود استدرج الكل لهذه الفوضى المشاهدة وبتخطيط مُحكم
وسعى لتشتيت بذكاء قوّة التحالف الدولي عليه من خلال التوسّع في عدّة بلدان معروفة
وأين أصبح يصول ويجول مغرضًا أمرًا واقعيًا جديدًا من دون إزعاجه أو محاربته على
النحو المعهود، فقد اِلتُمِس مؤخرًا بعض الاختلافات في الرؤى داخل التحالف الدولي
من حيث أولوية قتال الثقب حسب النفوذ لكل بلدٍ داخل المنظومة الغربية، ففرنسا
انسجمت عسكريا مع ألمانيا وبريطانيا ودول أخرى في محاربته بمستعمراتهم القديمة
وباستراتيجية مغايرة مباشرة معه، الشيء الذي أدى بهذه الدول إلى الصدمة في قتاله
على أرض الواقع وكان ما كان من خسائر بشريه للأوروبيين مباشرة، فلا ميليشيات مع
قوات هذه البلدان الآن إلا الجيوش النظامية والتي هي أصلا جيوش ضعيفة همّشتها
البلدان الغربية المنصوص عليها من حيث التدريب والعتاد واللوجستي، وحتى وإن جيّشت
بعض القبائل واستنفرت الشق الطائفي فلا ميزانية حقيقية لهذه الدول المذكورة كما
كان الحال في العراق وسوريا، فقد لامت فرنسا مؤخرا كلاً من السعودية والإمارات في
عدم تقديم أموالا معهودة للحرب ضد الارهاب، فاليوم الكل منهك ومشتت استراتيجيًا
وتكتيكيًا في كيفية محاربة الثقب الأسود في كل مكان وفي ظل هذه الأزمة الإقتصادية
والمالية الخانقة التي يمر بها الغرب قبل افريقيا وبلدان عربية أخرى ..
فالحرب على الثقب الأسود اليوم تضعف يوما بعد يوم في كل مكان،
والبلدان المعنية وعلى رأسها امريكا تريد وصاعدا اقحام الجيوش النظامية في القتال
مباشرة وذلك لأسباب عديدة ومنها تقليل الفوضى والحد من الميليشيات وأرباب الحروب،
فقاسم سليماني كان بمثابة أمن استراتيجي وجهاز معلوماتي متنقّل يعرف كل نقطة قوة
وضعف لأمريكا والحلفاء عسكريا، مما أدى لتصفيته وتمرير رسالة للحد باللعب بأمن
الغرب والتحالف الدولي على "الإرهاب"، وأن أمريكا اليوم تدرس استراتيجية
جديدة من خلال إيجاد الأرضية والتمويل لقتال الثقب الأسود من حيث مركزيته اليوم،
فستكون ليبيا منطلقا لعملياتها في إفريقيا والساحل الغربي خصوصًا، فقد اجمع
الفرقاء على أرض ليبيا وإن كانوا نظريا أعداء إعلاميًا وعند بعض السذّج، فها هي أمريكا
وفرنسا وبريطانيا وايطاليا واسبانيا وألمانيا واليونان ومصر والإمارات والسعودية
وتركيا كما كان الجميع البارحة يدا واحدة على الثقب الأسود في منطقة الشرق الأوسط فحتما لن يكونوا أعداء في ليبيا أمام عدو في كل
يوم يكبر عسكريًا وتوسّعًا ..
والسلام عليكم
================
كتبه نورالدين الجزائري
بتاريخ 08 جمادى الاولى 1441 هـ
الموافق لـ 03/01/2020
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire