ما ورآء تصفية قاسم سليماني من طرف أمريكا
في هذه
المرحلة بالذات ..
أثناء حرب
أمريكا وحلفائها الـسبعون من عجم وعرب على الثقب الأسود ما بين آواخر 2014 م إلى أوائل
2018 م في
العراق خاصة وسوريا عموما فقد تمّت تصفية 13 جنرالا ومسؤولا إيرانيا كانوا منخرطين بشكل مباشر في
القتال على الثقب، وقد صرّح كثير منهم مدى شراسة القتال وأنّ لولا الدعم الجوي
لأُزِيح ثان أوكسيد الكربون من دمشق وبغداد وحتى طهران، والكل شاهد مدى انخراط
ايران في هذه الحرب وأنها كانت بمثابة حياة أو موت بالنسبة لها، فحينها كان قاسم
سليماني يتجوّل من ديالى إلى حلب عبر الشدادي والبوكمال بسيارات عسكرية أمريكية
مصفّحة، الشيء الذي قيل وراقبناه من خلال تصريحات أمريكية وأخرى عربية على أنّ أي
تحرك لقاسم سليماني كان بأعين الإستخبارات المركزية الأمريكية والموساد حتى لا يتم
اصطياده كأقرانه، وللعلم أن الثقب الأسود حينها كانت له مفرزة خاصة بمهام قتل وقنص
مثل هذه الشخصيات، الشيء الذي مكّنها من هذا الكم الهائل من قادة الثورة
الإيرانية، فأمريكا واسرائيل وبعض الدول العربية كانوا العين التي كان يبصر بها
سليماني في تنقّلاته وحربه على الثقب الأسود ..
يُذكر أن
قاسم سليماني كان دولة داخل دولة في كل من ايران والعراق وسوريا ولبنان، فالرجل أمضى
حياته بأزيد من 3 عقود مدافعا عن إرث الخميني، وتكفّل بنفسه تصدير ثورته حتى أضحى إسمه
مقرونا في كل مرة وحادثة باسم المرشد الأعلى للثورة الايرانية على خامنئي، إذ أصبح
النموذج والمحور في سياسات المقاومة والممانعة، وكان رمزا لتمدد الرافضة في اليمن
وسوريا حتى أصبح الحاكم الفعلي لهذين البلدين وزد على ذلك لبنان وجنوب فلسطين،
فقرار تصفيته اليوم من أمريكا ليس بعمل طائش أو غير محسوب كما يظن البعض، أو ورقة
احترقت بعد أن أدّت مهامها، بل بالعكس فإنّ أمريكا كانت بحاجة له وكانت تحافظ عليه
وعلى خطواته في حربها على الثقب الأسود، فالرجل ومن خبرته أصبح خطرا على مصالح أمريكا
في المنطقة ومصدر قلق بعد انخفاض وتيرة الحرب على العدو المشترك، فهو بمثابة وكالة
استخباراتية متنقّلة من حجم المعلومات التي برصيده مع إمكانية استغلال المعلومات
التي بحوزته تستطيع ايران من خلالها المساومة على جرائم امريكا المباشرة في حربها
على “الإرهاب”، فالضغوطات الكبيرة التي على البلدين أدّت بأحدهما للتضحية بالآخر
في هذه المرحلة الحساسة من الحرب على الثقب الأسود والعقوبات الاقتصادية إلى
اعتلاء ابن سلمان لعرش السعودية قريبا جدا مرورا بضرورة إنهاء الحرب في اليمن وإيجاد
حلا لمآساة سوريا، فالملفّات كثيرة وشائكة ومتراكمة بسبب شراسة الثقب الأسود على أجندات
أمريكا وايران والسعودية في المنطقة، فترمب على موعد نهاية هذا العام مع
الانتخابات الرئاسية الأمريكية ، فبتصفية سليماني يكون قد وجّه ضربة استباقية لعمق
السياسة الامنية الايرانية وهذا من مطالب اللوبي الجمهوري وبعض اللوبيات الأخرى
المعروفة للحدّ من نشاطات ايران في هذه المرحلة بالتحديد ومرور بنود صفقة القرن من
دون تشغيل ناهيك على تقليل الشغب لما ستؤول إليه السعودية قريبا من استلام محمد
ابن سلمان لحكم السعودية، وقد يُقرأ كل هذا على أنها أجندات انتخابية يتمكن من
خلالها ترمب من رئاسة للولايات المتحدة الأمريكية لفترة ثانية..
فالرسالة
كانت واضحة عندما أراد سليماني اقتحام أكبر وكر استخباراتي في العالم والموجود بين
أسوار سفارة أمريكا بالعراق، فتخيّل معي أيها القارئ للمشهد السياسي والأمني في
المنطقة أن لو سقطت السفارة أو القنصلية بيد إيران من خلال قاسم سليماني فماذا كان
يكون حجم الكنز الموجود داخل السفارة، فالأمر بمثابة آلاف الرؤوس النووية ممكن من
خلالها العصف بجميع دول المنطقة من خلال العمالة والرسائل المشفّرة بينها وبين
أمريكا، فحينها يمكن القول أن ايران تكون قد قسمت ظهر أمريكا للأبد وخروجها سيكون
خلال أيام من كل المنطقة، فالمساس بمثل هذه المؤسسات الاستخباراتية والمغلّفة
دبلوماسيا هي بمثابة المساس بالأمن القومي الأمريكي مباشرة، فإن لم تدرك كيف
لمراسلة بسيطة بين ترمب والرئيس الاوكراني كادت أن تقضي على مستقبل ترمب السياسي
للأبد فانظر حجم الملفات التي في سفارة امريكا ببغداد، فتصفية قاسم سليماني هي
بمثابة إزالة ملف استخباراتي ضخم الحجم من أرشيف أعمال أمريكا القذرة بالوكالة،
فأمريكا درست مداخل ومخارج هذا العمل الاستخباراتي الأمني من كل الجوانب وما أقدمت
على هذا الفعل إلا بعد عدة مشاورات مع نظرائها في المنطقة وخاصة اسرائيل
والسعودية، ولأمريكا أوراق أخرى يمكن من خلالها تقزيم ردود فعل إيران من خلال هذه
العملية المبرمجة، فسترد ايران عبر ردود كلاسيكية من خلال ضرب بعض المصالح
الأمريكية إلكترونيا، وربما زعزعة استقرار العراق من خلال التوقف عن محاربة الثقب
الأسود في مناطق تواجد القوات الأمريكية، إلى بعض العمليات العسكرية من تصفية
لشخصيات مقرّبة وحيوية على النفوذ الأمريكي يمكن من خلالها خلط بعض الأوراق
الاستخباراتية، فأوراق ايران محدودة ولا يمكن أن ترد مباشرة على أمريكا نظرا لما
ستؤول الحرب عليها بالويلات والكوارث الاقتصادية أكبر وأكثر ..
فهذه
العملية بمثابة ورم في خاصرة الإدارات الأمريكية المتعاقبة كان مزعجا لطالما تغاضت
عن آلامه وتصرّفاته أمريكا في المنطقة وحان وقت استئصاله ليس إلاّ، فالرجل كان كما
بمثابة أمن قومي متنقّل وورقة مساومات وضغوط كبيرة، فلا يمكن وصف العملية إلا
بمثابة انطلاق محادثات أمريكية ايرانية جدية لحل مشاكل المنطقة وادخال ايران لبيت
الطاعة وذلك من خلال امتيازات اقتصادية بدءً برفع العقوبات عليها تدريجيا،
فالبلدان كانا يدركان أن دوام العداء العلني من المستحيلات السبع فلابد من دفع
العلاقات الدبلوماسية من جديد وذلك بتوقيع على ميثاق تعامل جديد بحبر من نوع جديد
رمزا لهما في الحرب على الارهاب لتكون العلاقات قوية من خلال دم قاسم سليماني حتى
لا ينسّ البلدان ..
والسلام
عليكم ...
================
كتبه
نورالدين الجزائري
بتاريخ 8
جمادى الاولى 1441 هـ الموافق لـ 03/01/2020
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire