موازين القوى وأزمة
ليبيا الدولية ...
استوقفني الرد الصاروخي الإيراني إثر
تصفية عرّاب التمدد لولاية الفقيه الجنرال قاسم سليماني على ثكنات أمريكا في
العراق، وكيف أخبر خامنئي ترمب عن نيّته استخدام فرقعات ضد وجود جيشه في المنطقة
لحفظ ماء الوجه، ولكن الذي غاب عن معظم المراقبين أنّ اليوم لا يمكن محاربة قوى
عظمى كأمريكا أو روسيا أو أي بلد عضو في الحلف الأطلسي إلا وقد تهيّأ فعلًا لفعلته
ورمى بكل البروتوكولات الدولية وراء ظهره واستعد للنتائج العكسية لجرأته على مثل
هذه الدول وخاصة من المحسوبة على العالم العاشر، فأي رصاصة تُطلق اتجاه عسكري أو
سياسي أجنبي داخل المنطقة العربية يعد ذلك من الانتهاكات الصارخة ضد المجتمع
الدولي (الغربي)، فاليوم يمكن القول أنّ أي إطلاق نار ولو من مسدّس لا يمكن إلا
بضوء أخضر من أمريكا ومِنْ مَنْ
ذكرت ..
والشاهد على ذلك ما صرّح به الثقب
الأسود من تمرّد على المجتمع الدولي وكيفية صولاته وجولاته في تفكيك المنظومة
الغربية التي فُرضت على عالمنا العربي والإسلامي، فالدول العربية اليوم لا تصنِّع
ولا بارودة ناهيك عن قطع غيار لصاروخ كاتيوشا، وكلامي هنا عن الإستقلالية في
التصنيع، فالمنظومة الرأسمالية شبّكت إقتناء الأسلحة بشرط المرور على دوائرها، فمن
منا لم يسمع بشركات غربية إمتنعت عن تصدير الأسلحة لبلد عربي في حرب لم تخدم
أجنداتها وتراعي حساسية مجتمعاتها إن افتُضِحت بعض الأمور اللاأخلاقية، وكذا
الترسانات الحربية من طائرات وبوارج ومنظومة الصواريخ والأسلحة الثقيلة من مدافع
ومتوسطة وخفيفة،فالعالم العربي والإسلامي مرهون بالمعسكر الغربي والشرقي، ومربوط بأجندات امريكا وروسيا والصين اليوم، فلا يكاد بلدا ما أن يخرج من مثل هذه التفاهمات عند التوقيع والتسليم للأسلحة النوعية، وكل مدروس حسب البلد وموقعه الاستراتيجي وأهميته الجيو- سياسية، فالفرقاء اليوم في ليبيا في توازن عجيب من حيث الترسانة العسكرية وفي تناغم عجيب حيث انتهاء المصلحة، وما يُرى للعيان غير الذي يراد تمريره وذلك لانسجام المجتمع الدولي برمّته في منظومة تجارية واحدة في آخر المطاف، والعجيب اليوم من هؤلاء الفرقاء أو أرباب الحرب الجدد أنك تجدهم إلا عند مجاري البترول ونفايات الغاز، فلم نرى استعراضا العضلات في بورما ولا تركستان ولا كشمير ولا إفريقيا الوسطى، بل بهلونيّتهم لا توجد إلا عند مصادر الطاقة، فالكل اليوم يدّعي القوّة والتغلّب على الآخر ولكن عند ساعة الصفر فلا تجد أحدهم يريد حربا إن لم تكن خلفه دول وأطماع استعمارية جديدة تحقق من خلاله سياسات مالية واقتصادية طويلة المدى، فليبيا اليوم والتي تُعد أغنى بلد أفريقي من حيث الطاقة، ولك أن تتخيّل أخي المسلم لعاب بعض حديثي الصراعات على جوهر نمو البلدان (الطاقة) مثل تركيا ومصر ومن ورائهما ..
فالمراقب للدول المتدخّلة اليوم في
الشأن الليبي يدرك أن الصراع في هذا البلد اتّخذ تجاذبات أخرى مِن حيث مَن يريد
خدمة الغرب بصفة عامة وشركات الطاقة العالمية، فالتكتّلات القتالية على أشدّها من
حيث جلب القوات البشرية والمعدّات العسكرية، ولو نظرنا إلى الترسانات الحربية
للدول التي تريد التصعيد من أجل إقصاء الآخر من شراب ماء زمزم ليبيا لوجدنا أنها
في توازن عجيب، فحفتر يتغنى بالسعودية والإمارات من حيث القوات البشرية
واللوجستية، وكذلك السرّاج ووقوف تركيا وقطر مع حكومته، فحفتر جلب مرتزقة من أمريكا
اللاتينية وروسيا وآفارقة، وكذلك السرّاج متعته تركيا بمرتزقة من سوريا وبعض
البيشمركة مِن كرديتان العراق، وقواته حفتر تساندها قوّات مصرية بترسانتها
العسكرية الجوية والمائية، وكذلك تركيا جلبت مثل هذه المعادات من قواعدها، وقد أسردت
للقارئ جداول قوات تركيا ومصر وليقارن هذا التوازن العجيب الذي يراد به في ليبيا
حتى لا تنزلق الامور ولا تخرج عن مجال السيطرة، وكي تُدفع الأطراف إلى طاولة
الحوار ومثله الذي سيُعقد في ألمانيا بين الفرقاء لفك شفرة النفوذ وربما إقتسام
السلطة بين حفتر كرئيس لليبيا والسرّاج كرئيسا للوزراء، وكتلة واحدة وتحت جيش ليبي
موحّد بعد خروج القوات المساندة وإعطائها مرادها في شبه صفحات تجارية ترضي الجميع ..
لكن يمكن الاستنتاج التالي أنّ ما
يقال ويشاع إعلاميا وعبر قنوات سياسية معروفة لا يمكن تصديقها بتاتًا، لأن أمريكا
وأوروبا من يتحكّم بخيوط الطاقة عالميا، وأن هذه التجاذبات والتهديدات والوعود بالحرب
والويلات إنما يندرج ذلك في إخضاع الشعوب صاحبة الثروات للابتزاز باسم الدم
والعرض. وأن هذه الحشود العسكرية إنما كما أسلفت في مقالات سالفة لمن عنده زمام
ضرب البارود من دون الرجوع إلى امريكا و الشركات المصنعة للأسلحة، بل الخطر يداهم
الجميع وفي تمدد رهيب وبات قاب قوسين من أن يبتلع البوابة الجنوبية لأوروبا، ومنها
دق ناقوس الخطر في اجتماع برلين بألمانيا ..
السلام عليكم
===============
كتبه : نورالدين
الجزائري
بتاريخ 21 جمادى
الاولى 1441 الموافق ل 16/01/2020







