وطـــن بــدون أرض ولا سياسة ..
الوطنية ذلك الصنم الذي صنعه السامري الجديد للأمة بعد ان
قطّع أوصالها، وفرَّق الناس فيه، فمنهم من تشرّب الفكرة، ومنهم من رضخ لها، ومنهم
من استسلم للواقع، ومنهم من قاوم هذا العجل الجديد، ومنهم من مات حسرات في خندقه
والآخر في محرابه ومعبده، صنم يُعبد من دون الله، الولاء لحدوده، والبراء ممن
انتقص من رموزه، تسلق الفكرة كل ساقط وعديم الصِّلة، تقدم الحداثيون والعلمانيون
والليبراليون والماركسيون واصحاب الفكر الشاذ، قالوا نحن المخلّصين مما آلت اليه
الامة من تشرذم، نحن الجامعين لأوصال الجسد الذي تمزق على اثر حمى البراكين، فكل
تحزّب لتوجهه وتخندق لفكرته، وكل خوّن الاخر وزجّ به في خانة الاصابع، كل فريق
وحزب بما لديهم فرحون، نهجهم لا نريكم الا ما نرى، وان الهداية للاستقامة طريقها
لا يمر الا من تنظيرنا وما نحن عليه من فهم أوحد ولا نقاش.
فعبّاد الوطنية منذ ان أداروا للأمة ظهرها لشرع الله،
ونادوا لسبلهم وطريقهم للنهوض بالأوطان، افسدوا اكثر مما أصلحوا، وفرّقوا اكثر مما
جمعوا وأجمعوا، وجهلّوا عباد الله اكثر مما علّموا، نادوا للحداثة فمأكولهم
ومشروبهم ولباسهم وصناعتهم من غيرهم، وكرّسوا في ذلك تبعية ممنهجة ومدروسة حتى لا
تستقل الامة من الداعم، غيبوا الدين عن السياسة وفصلوه عن حياة النَّاس ببساطة،
وأصبحوا يأتمرون بقانون الإنجليز والفرنجة ويتناهون به بلا خجل و دياثة، حاصروا
دين الله في جدران المساجد والمعابد وضيقوا عليه متنفسا، ضيقوا على الحريات
الفردية والجماعية باسم عدم الترخيص والتجمهر المخل بأمن البلد او مكافحة الارهاب،
قرّبوا كل ذي رأي شاذ ومجون وأبعدوا كل ذي اخلاص وحكمة ومتون، خوّنوا الصادقين
واتهموهم حتى في انتمائهم لأرضهم وهوائها ..
كوارث في العالم العربي، الحكيم اصبح حيران، والحليم طاش من
التيه الدوران، انقلابات هنا وهناك، انتخابات من حين الى اخر متفاوتات، وأحيانا
تكريس وخلود لزعيم في منصب رئيس او قائد بلد ولو خرجت تحت كرسيّه شتى انواع
النبتات، عبودية جديدة للتراب والشخص والفكرة، وتضرب مقدسات الامة في سبيل رقعة
جغرافية ولا كرامة .
تراهم يحلفون ذات اليمين وذات الشمال انهم لو مكّنوا من
المناصب ليجعلنّ من امر الناس رشدا، ومن أولوياتهم منطلقا وهدفا، ومن مناصبهم
سُلَّما لإيصال البلد والرعية الى السعادة والرفاهية، ولمّا تجدهم امام المتطلبات
والتحديات يفرون ويتنصلون من الوعود كالكلب المجراب، يعض حتى من أوصله منصبه ولا
عرفان، وسياستهم الا المكر والنكران، يرى بعينه للجميع و يا ويل من رأى بغير عينه
فله الثبور والقبور ..
لكن لا لومة لمن وصل وتنصل، لان ليس في يده شيء من الامر،
بلده في يد بلدان اخرى قوية مستقلة، صاحبة تجارب ومخالب وتوجيه السياسات للبلدان
الوظيفية بمفهوم العصى والجزرة، سياسة التبعية بإتقان ومهنية، ولا ينفك من الأوامر
بزر هاتف او برقية، والا سُنَّة الاستبدال جاهزة وسارية، تجد الرئيس او صاحب السمو
بعدها لا وعد ولا سياسة لديه، وامام حقيقة مرة، لا سيادة ولا رئاسة ولا منصب
زعامة، وأنّه موظف عند الأسياد، المنظومة الدولية، اصحاب الفيتو، أعضاء مجلس الامن
الدائمين، اصحاب التدخلات السريعة، بحجم مساحة بلده ( الوطن ) ولا زيادة.
فإن البشر تسوسهم الفطرة، وما فطر الله الناس عن الشر
فحشاه، بل الفطرة في السياسة هي ما سوست به الأنبياء من شرع في كل مجال الحياة،
وان من خرج عن هذا العرف والتعريف فسيلقى لا محالة ضنكا، وان زبالة البشر من حكم
أنفسهم بأنفسهم فالسياسة للأقوى والأبقى والادهى تخطيطا وتمريرا، وتقديم المصالح
في هذا وان كان على دماء وخيرات البلدان الوظيفية لهو سبيل القوى الكبرى، فتكريس
فشل سياسات القوي وزرعها كتنظير في بلدان التبعية لهو لُب المشاكل التي تتخبط فيها
البلدان الاسلامية، فاستوردنا سياسة فاشلة بعد تجارب القوم لها، سياسة ماكرة
مدروسة بعد إلغائها كطريق متبع، صالحة لتُطبق في المستعمرات " المستقلة
"، ومن أهدافها مراتب في ذيل الامم الاخرى، ولا تنسى انها سياسة الرجل
الأوحد، وانتقادها او تعريتها من العواقب الوخيمة، فاسكت ولا كلام فإن الذي يرى ما
لا تراه الامة.
الامة اليوم في مفترق طريق خطير، ومنزلق من أمرها شديد
كبير، فها هو السيسي سلَّموه أكبر
وطناً عربياً في منطقتنا، والذي مكّنه وأعطاه ملك مصر لهي المنظومة الدولية، وصاحب
السياسة واللعبة الإقليمية، وطن خراب بكل مؤسساته من باب المواطن البسيط ألى أبواب
قصر الجمهورية، عفن في الحياة اليومية كرّسته التبعية الفرنسية الى الانجليزية
وأخيرا الامريكية، وبعظمة لسانه قال بعدما تيقن انّه سُلِّم له خرابا، وان البلد
شبه دولة، إنّه أمام مستحيل ولا يمكنه أن يفي بوعده أن بلده يصبح ( اد ) هذه
الدنيا، وأنّه امام حائط من فلاذ، مفاتحه عند القوى الغربية، فهل عقِل قومي ان لا
يفل الحديد الا الحديد، وان خرافة الوطن والحدود المصطنعة على عقلاء الامة الوقوف
أمامها، ودراستها وفهمها على اصولها وقول كلمة الحق فيها، والنظر في استقلال الامة
لهو من أولويات الملّة، وان يطلّقوا زبالة الفكر السياسي الغربي طلاقا بالثلاث لا
رجعة فيه، وان يسعوا للّم شمل الارض والإنسان لخدمة من سخر ذلك كله له، وأن أجر
ذلك على الله ومن يتقي الله يجعل له نورا من امره ومخرجا ..
=============================
كتبه : نورالدين الجزائري
23 شعبان 1437 هـ الموافق ل 30 /2016/05
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire