هـل الدولة الاسلاميـة هي المشكلـة؟ ...
ــــ الجــزء الاول ـــ
وأنا أحادث جدّي عن معنى " صحوجي" ومعناه في هذه
الألفية التي نحن فيها والوقت المكشوف الذي نحن بصدده، لم يفهم المعنى في أول
الوهلة جيّداً حتى قلت له أن الذي كان يسمى في زمانكم مثلاً " القواّد
"، فحينها تبسم و رقرقت عيناه وكأن حدث شيئاً ما بداخله، أو ساقه هذ المصطلح إلى
دهاليز التاريخ، فقال لي أن الصحوجي هو : الديوث .. وأن الديوث أمره منْ نطقٍ
وكتابةٍ وقراءة وملبس ومشرب ومكسب وكسبٍ ليس بيده، بل بيد من ألبسه لباس الدياثة
وجرّده من عباءة المروءة، وأن فكره مشغول من أن يبصر لوحده بدون نظّرات الاخرين، وأن
لا يستطيع رسم مستقبله بماضي من سبقه، وعلى راْس كل هذا مُجَرَدٌ من معرفة طريق
التوكل على الله، وأن الله أوكله لنفسه حتى يذوق وبال أمره
.
وبعد غياب نور الله الذي طُمس بفعل إرادة الإمبراطوريات
القائمة حينها، وفي حين غرة من تفكك داخلي للأمة وخاصة مكر الصحوجية القومية
والوطنية التي بايعت قوى الهيمنة العالمية على الغدر والخيانة باستراتيجية علقمية،
وبعد تحييد للشريعة من سياسة الناس والملة واستبدالها بقوانين الأسياد الجدد على
الامة، وإدخال عليهم زبالة فكرهم ومسخ لفطرتهم الانسانية عليها، كان مصير الامة
التفكيك والتشريد لا محالة، تفكيك للهوية الاسلامية وإبدالها بالقومية ومنها رسم
الحدود على الارض، وتشريد للإنسان العربي وتقطيع أوصاله من خلال رسم لحدود قبلية
وعُرفية، وبعدما كانت الامة أمة واحدة، قُطّعت إلى كيانات سياسية تأتمر بالذي
أجلسها على عرش الوطن، راسما لكل كيان حدودا، وبث النعرات وتحريك الأقليات أن تطلب
ذلك لشد الوثاق حتى لا تفلت الأغنام القاصية من الذئاب الجائعة . كان التيه ديدن
سكان كل المنطقة، فانتصرا سايكس وبيكو لتُحكَم بلداننا بالقوانين الفرنجية .
فالامبراطوريات لا تتغذى إلا بالصراعات، ولا تعيش إلا
بالمستعمرات، وبعد أن قسّموا بلاد الاسلام إلى دويلات على ورق ثمنه بخس قليل،
زرعوا في قلب الامة العربية الاسلامية كيانا غريباً يهودياً صهيونياً سرطانيا،
كقاعدة أمامية لإخماد أو استئصال أو تخدير كل محاولة انفصال عن المركز، ديدن القوم
التحكم في أصحاب عروش المنطقة، وإحكامهم بخيوط اللعبة، ومنها استنزاف خيرات الامة
من طاقة ومقدرات وبمؤامرات، ليعيش القوم على حساب أبناء الامة، في رفاهية وتقدم و ازدهار
وتنعّم، وغلق كل الأبواب أمام أبناء المنطقة للنهوض بالمقسّم حتى لا تُكشف اللعبة،
ومنها استرجاع ما ضاع من الامة .
افتعل المركز حروباً بين الدويلات والكيان، وقسّم أدوار
الصراع في المنطقة حسب التجمعات والتطلعات، انتُزِع روح الصراع وحُيّد عن أصله، من
صراع إسلامي يهودي الى صراع قومي شوفيني، فشل القوم في إعادة البوصلة لاتجاها
الصحيح، ورفعوا راية الاستسلام وشعارهم الامن والامان.
خرج من بين صلب الامة بعدها من نادى بالوحدة العربية،
فأفلوا نجمها، ومنهم من نادى بأسلمة الأنظمة فخوّنوه وأشبعوه سجنا، ومنهم من سلك
مسلك الانقلابات فغُدِر وأمسى مقتولا، فكادت أن تيأس الامة لولا رجالا عرفوا
الطريق، فكان همُّهم بناء جيلٍ لا يرّدُ الحقوق إلا كما سُلبت الحقوق، وزرع فيه
الكفر بالمنظومة الدولية وارجاع خيرية هذه الامة، فعرّفوا الطريق بما كان عليه
الصدر الاول، فكان نتاج جيل جاهد مع الافغان، وأسس بعد ذلك قاعدة لتنطلق منها
الامة لتتحرر من جديد، شعارها كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة، فكان جيلا سبَّاقاً
الى ما نحن عليه من أحداث اليوم.
وفي خضم الأخذ والجذب مع الداخل والخارج، وبعد انتكاس هنا
وهناك، كُسبت الخبرة من رحم المعاناة، ودُرست الخطط في وحل العثرات، وكان لابد من أن
يهيأ الله لهذه الامة أمر رشد من عِزَّة وتمكين ولابد بعد كل هذه التجارب، إنّها
السنن التي على المخلصين الأخذ بأسبابها ودراستها، والبحث عن علّة مقوّماتها ومن
ثمّة النهوض بها والحفاض على بقائها، وإنّ من السنن أيضا معرفة توظيف المعادلات
والحسابات والطرق لفتح الشفرات، وصنع مفتاح فتحٍ وغلقٍ لنتاج الدراسات، ثم
الانطلاقة إلى الواقعية، إلى أرض التطبيق القولي والعملي حتى يُجسّد ما نُظِّر له
بروح الاخلاص ومعدن الصدق، ومن فهم سرّ الكتاب، وتوظيف الحديد توظيفاً صحيحا،
ومنها ركوب سفينة إنقاذ الامة وزعزعتها من السبات العميق، فركبه فرسان بايعوا على
الموت لتحيا أجيال، فكان ما كان من هذه المبايعة من طوفان، اضطربت محيطات وبحار،
واصطدمت السفينة بحمولتها بقروش الأعماق وحيّات الظلمات الهائلة، ومن هنا بدأت
معركة الامة، إمّا أن تكون أو لا تكون، فتحالفت قوى الشر العالمية على مُراد أبناء
الملّة، فوظفوا القريب والبعيد، الطوائف وَالنَّخْل، العالم والراهب، القومي
والعلماني، الملحد والليبرالي، وقوم تبع لا همّ لهم إلا الفروج والبطون، وليذهب
الاسلام إلى الجحيم .
( يتبــــــــــــع ... )
==========================
كتبـــه : نورالدين الجزائري
كتبـــه : نورالدين الجزائري
16 شعبان
1437 الموافق لـ 24/05/2016 م
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire